Home الأسرة المسلمة كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيت

كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيت

 

تاريخ الخطبة: الجمعة 21 صفر 1431هـ/ 5 فبراير 2010م مكان إلقاء الخطبة: مسجد دار السلام- بودابست- المجر

عنوان الخطبة: كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته

الخطبة الأولى:

المقدمة: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره .....

أما بعد: فإن لي صديقا عزيزا، وأخا حميما، مزجته بنفسي حتى صار مني بمنزلة اللحم من العظم، والرأس من البدن، والمقلة من العين، والروح من الجسد. قد منَّ الله تعالى عليه – كما من عليّ- بالدعوة إلى دين الله في بلد كهذا البلد. وكثيرا ما أتواصل معه ويتواصل معي، وأخلو به ويخلو بي، أبثه همومي، وأقصه مكنوني، وأثلج صدره بأفراحي، كما يشاركني أتراحي. وهو أيضا يُشركني في أفراحه وأتراحه، وغمه وحبوره، وحزنه وسروره.

وفي خضم ما يعيشه الناس هذه الأيام، ويلمسه من له حس غيور، وقلب حيّ - من بعد عن الدين، ومجاهرة بالمعصية لله رب العالمين، من ربا فاحش، وزنا أثيم، وشراب مسكر وغش عظيم، وحوادث مفجعة، وخطوب مؤلمة - في خضم هذا كله وجدتني أنادي وأقول: أين أنت أيها الصديق؟ أين أنت أيها الرفيق؟ أريد أن أبثك هما مضنيا، وغما مفجعا، لعلك تخفف عن أخيك، لعلك تمسح بكلماتك الحانية دموع عيون جارية، ولعلك تزيل ببسمتك المتلألئة ما عكرته الخطوب المفجعة المؤلمة. وقدر الله رب العالمين لنا اللقاء، ففرح القلب، وانشرح الصدر وسرت النفس، ولسان الحال والمقال: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. فلما التقيته قلت أخي: طال الغياب، ولكن بيننا لا عتاب. كم أنا في حاجة إليك، ولولا ما أنا فيه من شغل شاغل لسرت إليك.

ولكنه على خلاف عادته، كان شاحب الوجه حزينا، فهالني ما كان من حاله، حتى خفت من سؤاله. وصمتنا جميعا برهة، وبعدها بادرني بسؤال أشم منه رائحة كبد يحترق، وقلب يتمزق فقال: هل لي أن أكون اليوم متكلما وأنت تسمع؟! فإني أريد أن أبثك هما منه عين القلب تدمع. قلت: سلم يا رب سلم، وطلبك لا أرد ولا أمنع. تفضل، فكلي آذان تنصت وتسمع.

قال: منذ سنة تقريبا جاءتني فتاة مسلمة عربية، قصت عليّ قصتها فقالت: ولدت وعشت في بلد مسلم عربي، وحصلت على الإجازة العالية، وكنت أعمل في بلدي، ومن خلال العمل تعرفت على بعض الناس ووعدوني بفرصة عمل أفضل، فسيحصلون لي على تأشيرة سفر لإحدى البلاد الأوربية (وهذا حلم جل شباب المسلمين وفتياتهم إلا من رحم ربي) ووعدوني بأن أعمل هناك عملا يدرّ دخلا كبيرا، وكان هذا بالطبع مقابل مبلغ كبير من المال يدفعه أهلي. قالت: وبالفعل وافق أهلي، وسافرت إلى ذلك البلد، ولكني لم أحصل على العمل المتفق عليه سلفا في بلدنا، ووجدت نفسي فريسة لعملية نصب وخداع، فتحايلت حتى حصلت على إقامة في هذا البلد.

قال: قلت لها: وكيف خرجت للسفر بدون محرم؟ وكيف وافق ولي أمرك على سفرك للعمل في هذه البلاد؟ أين المروءة وأين النخوة وأين الرجولة؟ بل أين الدين؟

قالت: يا شيخنا الكريم: إن هذا الذي تسأل ليس له ذكر في واقع معظم المسلمين اليوم. وقد جئتك لتحل لي مشكلتي. قال: قلت وهل فوق هذا من خطب، أو بعده من همّ؟

قالت: نعم. فقد تعرفت على شاب مسلم غير عربي يقيم أيضا في هذا البلد، وهو يرغب في الزواج مني، ليعف نفسه ولأحصن نفسي، ولكن أهلي يرفضون. قال: قلت: وما سبب رفضهم؟ قالت: يقولون هو غير عربي، وليس عنده مال، إلى غير ذلك من حججهم الباطلة. قال: قلت لها: والحسرة تفتك بقلبي، والحزن يفلق كبدي، من الموكل بذلك حتى أكلمه؟ قالت: أخي وأمي.

قال: فأخذت هاتفهما واتصلت بهما، فرد عليّ أخوها، فأخذت أترفق في الكلام معه، وأكتم غيظي، والحق أني لو رأيته لصفعته على أم رأسه. فقلت له: أنا إمام مسجد هنا، وقد جاءت أختك تريد الزواج وتشكو من رفضك، فلماذا ترفض؟ قال: فأخذ يتهرب مني، ولم يجب، وقال: لي خذ أمي تكلم معها. قال: فتكلمت مع الأم، وقلت لها: يا أمي –بارك الله فيكِ- ابنتك هنا وحيدة، لا أخ ولا أخت، ولا أب ولا أم، كيف تتركونها هكذا بلا محرم، ولا عمل؟ كيف تعيش؟ كيف تأمن على نفسها؟ قالت: يا بني ما أدري إيش أقول؟ خذ أخاها وتكلم معه. قال: وظللت قرابة النصف ساعة أتكلم مع الأم تارة، ومع الأخ تارة، ولم أصل إلى جواب شاف مقنع.

قال: فقلت للفتاة: اصبري وترفقي بأخيك لعل الله أن يشرح صدره. قالت: أفعل. قال: وكانت النية أن أتواصل معها على الهاتف لأصبرها، وأطلب منها الثبات، ولكنني شغلت، فأسأل الله العفو والمغفرة.

قال: وبعد سنة تقريبا، جاءتني الفتاة تقول: لقد وافق أخي على الزواج من ذلك الشخص، فمتى يمكننا عقد النكاح؟ قال: قلت لها لا بد من ولي، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا نكاح إلا بولي، وشاهدي عدل" والحديث رواه البيهقي عن عائشة وعمران رضي الله عنهما، وصححه الألباني.

قالت فما الحل؟ قال: قلت لها: أتصل بأخيك لأتثبت من موافقته، ويوكلني بتزويجك. قال: وفعلت، وتثبت منه وذكر لي المهر المتفق عليه، وضربت لها موعدا. قال: ولكني سألتها: يا فلانة أصدقيني! لماذا وافق أهلك على الزواج؟ قالت: وافقوا بعد أن أرسل إليهم ذلك الشاب بعض المال، وعلموا أنه يعمل. قال: قلت: الحمد لله على كل حال.

ثم جائتني مع الرجل لكي أعقد لهما النكاح، قال: فلما رأيتهما خفق قلبي، ولم يطمئن فؤادي. وكان الرجل لا يتحدث العربية، ولا يحسن لغة البلد الذي نقيم فيه. قال: ولي صديق –أحسبه على خير ولا أزكيه على الله- يحسن لغة ذلك الشاب. قال: فاتصلت به، وطلبت مساعدته، فأتى بكل سرور. قال: فقلت له: سل هذا الرجل هل كانت له علاقة بتلك الفتاة من قبل؟ هل اختلى بها أو واقعها؟ أو فعل معها ما يفعله الرجل مع زوجته. قال: فسأله، فتلعثم قليلا، ثم قال: نعم. قال: وعرفت الجواب من عيني صديقي فأنا لا أحسن تلك اللغة. قال: فقلت له والحسرة تقطع قلبي، وتفلق كبدي، أخبره بأن يبادر بالتوبة إلى الله، ولا يحل له أن يتزوج بها حتى تحيض ثم تطهر، ويعلنا التوبة جميعا.

قال: ثم أخبرت الفتاة بما يجب عليها، وذكرتها بالله جل وعلا فبكت. ثم قلت لها مخوفا إياها: وكلني أخوك بأن أزوجك، وهذه أمانة، فماذا أفعل؟ هل أخبره بما وقع منك؟ كيف طاوعتك نفسك وأنت المسلمة العربية؟ ماذا لو علمت أمك، أو علمت أختك؟ ماذا لو علم أخوكِ؟ قالت: وهي تصرخ وتبكي، سيقتلونني. قال: قلت لها: إن الله تعالى واسع المغفرة، ويقبل التوبة ممن تاب، وهو سبحانه حيي ستير، فتوبي إليه وأخلصي عساه أن يغفر لكِ.

ثم توجه إلي أخي وصديقي ودموعه تذرف، وعبراته تسيل، وهو يقول:

لمثل هذا يذوب القلب من كمد .... إن كان في القلب إسلام وإيمان

فقلت له: كنت أود أن أبثك همومي، فزدت بحديثك غمومي، فلنا الله يا صديقي، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

عباد الله! إن الله تعالى قد منَّ علينا بنعم عظيمة، ومنن جليلة، ومنها نعمة البنينَ والبنات، وجعلهم الله زينة الحياة، قال تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} (الكهف: 46).

وأوصى الله تعالى الآباء والأمهات -مع شفقتهم ورأفتهم وحنوهم الفطري- أوصاهم بأولادهم، فقال: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ ...} (النساء: 11). أي: أولادكم -يا معشر الآباء والأمهات- عندكم ودائع قد وصاكم الله عليهم، لتقوموا بمصالحهم الدينية والدنيوية، فتعلمونهم وتؤدبونهم وتكفونهم عن المفاسد، وتأمرونهم بطاعة الله وملازمة التقوى على الدوام. فأولادنا عندنا موصى بهم، فإما أن نقوم بتلك الوصية، وإما أن نضيعها فنستحق بذلك الوعيد والعقاب.

وأمرنا وتعالى بالسعي في نجاة أهلينا وذرارينا ووقايتهم عذاب الجحيم، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (التحريم 6).

فيا من منَّ الله عليهم بالإيمان، قوموا بلوازمه وشروطه. فـ {قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} موصوفة بهذه الأوصاف الفظيعة. ووقاية الأنفس بإلزامها أمر الله تعالى، والقيام بأمره امتثالا ونهيه اجتنابًا، والتوبة عما يسخط الله ويوجب العذاب، ووقاية الأهل والأولاد، بتأديبهم وتعليمهم، وإجبارهم على أمر الله، فلا يسلم العبد إلا إذا قام بما أمره الله به في نفسه، وفيما يدخل تحت ولايته من الزوجات والأولاد وغيرهم ممن هو تحت ولايته وتصرفه.

وقد أخبرنا جل وعلا عن مشهد من مشاهد الحسرة يوم القيامة للمفرطين الخائبين الخاسرين على لسان المؤمنين الموحدين { ... وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ} (الشورى: 45). {وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا ...} حيث ظهرت عواقب الخلق، وتبين أهل الصدق من غيرهم: {إِنَّ الْخَاسِرِينَ} على الحقيقة {الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} حيث فوتوا أنفسهم جزيل الثواب، وحصلوا على أليم العقاب، وفرق بينهم وبين أهليهم، فلم يجتمعوا بهم، {أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ} أنفسهم بالكفر والمعاصي {فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ} أي: في سوائه ووسطه، منغمسين لا يخرجون منه أبدا، ولا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون.

ومن عظيم منة ربنا جل وعلا بعباده المؤمنين أنه يجمعهم بذريتهم، ويلحق الفروع المؤمنين بالأصول السابقين، وإن قصر بهم العمل، ما داموا حائزين أصل الإيمان، مستوفين شرائطه، كما قال سبحانه: {وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} (الطور: 21).

فمن تمام نعيم أهل الجنة، أن ألحق الله بهم ذريتهم الذين اتبعوهم بإيمان، لحقوهم بالإيمان الصادر من آبائهم، فصارت الذرية تبعا لهم بالإيمان، فهؤلاء الفروع، وتلك الذرية يلحقهم الله بمنازل آبائهم في الجنة وإن لم يبلغوها، جزاء لآبائهم، وزيادة في ثوابهم، ومع ذلك، لا ينقص الله الآباء من أعمالهم شيئا. ولا كذلك أهل النار، فدخول الآباء للنار ليس سببا في دخول ذريتهم ما داموا لا يستحقونها، لذا قال سبحانه: {كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} أي: مرتهن بعمله، فلا تزر وازرة وزر أخرى. فاللهم أصلح لنا أولادنا، وأعنا على تربيتهم وتأديبهم، واجمعنا بهم مع آبائنا وأمهاتنا في جنات النعيم، إنك أنت الرءوف الرحيم.

الخطبة الثانية:

المقدمة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ....

أما بعد: عباد الله! إن الله جل وعلا قد رتب على الإحسان إلى البنات خاصة وتربيتهن وتأديبهن الأجر الجزيل، والثواب العظيم.

في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، قَالَتْ: دَخَلَتْ امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا تَسْأَلُ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَتْ فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْنَا فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: "مَنْ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنْ النَّارِ". وفي رواية للترمذي: "مَنْ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْ الْبَنَاتِ فَصَبَرَ عَلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ حِجَابًا مِنْ النَّارِ". قال النووي رحمه الله: (إِنَّمَا سَمَّاهُ اِبْتِلَاء لِأَنَّ النَّاس يَكْرَهُونَهُنَّ فِي الْعَادَة).

وعند مسلم عن عائشة أيضا رضي الله عنها، أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَتْنِي مِسْكِينَةٌ تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَهَا فَأَطْعَمْتُهَا ثَلَاثَ تَمَرَاتٍ، فَأَعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا تَمْرَةً، وَرَفَعَتْ إِلَى فِيهَا تَمْرَةً لِتَأْكُلَهَا، فَاسْتَطْعَمَتْهَا ابْنَتَاهَا، فَشَقَّتْ التَّمْرَةَ الَّتِي كَانَتْ تُرِيدُ أَنْ تَأْكُلَهَا بَيْنَهُمَا، فَأَعْجَبَنِي شَأْنُهَا، فَذَكَرْتُ الَّذِي صَنَعَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَك "إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَوْجَبَ لَهَا بِهَا الْجَنَّةَ أَوْ أَعْتَقَهَا بِهَا مِنْ النَّارِ".

وعند مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَا وَهُوَ وَضَمَّ أَصَابِعَهُ". وفي رواية للترمذي: "مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْنِ دَخَلْتُ أَنَا وَهُوَ الْجَنَّةَ كَهَاتَيْنِ، وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ". وفي رواية لأحمد في المسند: "مَنْ عَالَ ابْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَ بَنَاتٍ، أَوْ أُخْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَ أَخَوَاتٍ حَتَّى يَمُتْنَ أَوْ يَمُوتَ عَنْهُنَّ، (وفي رواية: حتى يبن: يكبرن ويتزوجن فيتفرقن) كُنْتُ أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ، وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ السَّبَّابَةِ وَالْوُسْطَى" وكلها روايات صحيحة. وعَال الرجلُ عِيَالَه يَعُولُهم: إذا قام بما يَحْتَاجُون إليه من قُوت وكِسْوة وغيرهما.

وعن عُقْبَة بْن عَامِرٍ الْجُهَنِيَّ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنْ كَانَتْ وَقَالَ مَرَّةً مَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ فَصَبَرَ عَلَيْهِنَّ فَأَطْعَمَهُنَّ وَسَقَاهُنَّ وَكَسَاهُنَّ مِنْ جِدَّتِهِ كُنَّ لَهُ حِجَابًا مِنْ النَّارِ". رواه البخاري في الأدب المفرد، وأحمد واللفظ له.

عباد الله! إن الإحسان إلى بناتكم، وحملهن على دين الله، وتربيتهن على سنة رسول الله ستر وحجاب من النار، وحماية لكم ووقاية من عذاب الجحيم، وسبب للخلود في جنات النعيم، ومرافقة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.

فيا أبا البنات أبشر، ويا عائل البنات أبشر، ويا من ابتلي منهن بشيء أبشر، واصبر عليهن، وابذل لهن الطعام والكسوة، والنفقة الطيبة الحلال تفز بالرضوان والجنان.

عباد الله! ألا كلكم راع وكلكم مسئول، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، والحديث في الصحيحين عَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: "أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ".

فحافظ على أهل بيتك، وأولادك، واربطهم ببيوت الله، وحملهم كتاب الله، وحببهم في سنة رسول الله، واربطهم بالسلف الصالح من الصحابة والصحابيات ومن تبعهم بإحسان.

وحذاري ثم حذاري أن تضيع رعيتك، حذاري ثم حذاري أن تكون سببا في ضياع بناتك وأبنائك، فكم من فتاة اليوم تنادي تصرخ صبح مساء يا أبت كفانا بعدا عن دين الله، يا أبت رفقا بالقوارير، يا أبت أين نحن من الإسلام صلاة وصوما وذكرا وتقربا إلى الله، يا أبت قد مات قلبي، وجمدت عيني، يا أبت ما عدت أعرف من الإسلام إلا اسمي إن كان يشبه أسماء المسلمين، يا أبت ارحم ضعفي فإني لا أقوى على عذاب الله، يا أبت قد بلغت أو شارفت على البلوغ وما أدري كيف أصلي، يا أبت والله لأحاجنك بين يدي ربي وأقول يا رب سل أبي هذا لمَ لم يعرفني بك وحقك علي، كم من فتاة تصرخ: يا أبت الله الله في، وكفانا بعدا عن ربنا. كم من فتاة تنادي: يا أبت {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ ...} (الحديد: 16)

عباد الله! الله الله في بناتكم! الله الله في أبنائكم! الله الله في نسائكم! الله الله في أعراضكم! الله الله في دينكم وسنة نبيكم! الله الله في أنفسكم وأهليكم! واسمعوا وأجيبوا لنداء ربكم {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (التحريم 6).

هذا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين. وسبحان الله وبحمده، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.