Home الأسرة المسلمة وكان أبوهما صالحا

وكان أبوهما صالحا

 

تاريخ الخطبة: الجمعة 02 ربيع الأول 1431هـ/ 19 فبراير 2010

مكان إلقاء الخطبة: مسجد دار السلام– بودابست- المجر

عنوان الخطبة: وكان أبوهما صالحا

الخطبة الأولى:

المقدمة: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره .....

أما بعد: فـ:

إنمــا أطفــالنا بيننـا ... أكبادنا تمشي على الأرض

إن هبت الريح على بعضهم ... امتنعت عيني عـن الغمض

أخرج أحمد في المسند والنسائي في سننه وغيرهما، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ أَبِيهِ - شَدَّادِ بن الْهَاد - قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِحْدَى صَلَاتَيْ الْعِشَاءِ (في رواية: إِحْدَى صَلاتَيِ الْعِشِيّ، وفي أخرى: إِحْدَى صَلاتَيِ النَّهَارِ: الظُّهْرِ أَوِ الْعَصْر) وَهُوَ حَامِلٌ حَسَنًا أَوْ حُسَيْنًا فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعَهُ (عند الطبراني في الكبير: فَتَقَدَّمَ فَوَضَعَهُ عِنْدَ قَدَمِهِ الْيُمْنَى) ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ، فَصَلَّى فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِهِ سَجْدَةً أَطَالَهَا. قَالَ أَبِي: فَرَفَعْتُ رَأْسِي وَإِذَا الصَّبِيُّ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ سَاجِدٌ فَرَجَعْتُ إِلَى سُجُودِي. فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ، قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِكَ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ. قَالَ صلى الله عليه وسلم: كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ". والحديث صححه الألباني رحمهم الله جميعا. بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِهِ: في أثنائها. ارْتَحَلَنِي: اتخذني راحلة له بالركوب على ظهري.

النبي صلى الله عليه وسلم في صلاته يؤم القوم من صحابته الكرام رضي الله عنهم أجمعين، ويأتي حفيده الصغير، فيرتحله يتخذه راحلة بالركوب على ظهره، فيمهله النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعجله، وينتظره النبي صلى الله عليه وسلم ولا يقطع عليه لهوه ولعبه، وسروره وفرحه، فيتركه حتى يقضي نهمته، ويشبع حاجته، حتى يكون هو الذي يترك ويرحل. فما أوسع رحمته، وما أشمل رأفته، وما أكمل هديه، وما أجمل خلقه، وما أتم صبره صلى الله عليه وسلم.

وقَال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ رضي الله عنه: سَمِعْتُ أَبِي بُرَيْدَةَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُنَا، إِذْ جَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ، فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمِنْبَرِ فَحَمَلَهُمَا وَوَضَعَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ صَدَقَ اللَّهُ: {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} فَنَظَرْتُ إِلَى هَذَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قَطَعْتُ حَدِيثِي وَرَفَعْتُهُمَا". رواه أهل السنن، وصححه الألباني رحمه الله. (وعَثَر أي: زل وسقط. والعَثْرة: المرّة من العِثار والوقوع في المَشْي)

فانظر – يا هداك الله – انظر إلى شفقته صلى الله عليه وسلم وإلى رحمته ورأفته، حتى إنه لا يستطيع يصبر وهو يرى حفيديه يمشيان مرة ويسقطان يعثران أخرى، لا يصبر على رؤية هذا، فيقطع حديثه وهو على منبره، وينزل فيحملهما فيرفعهما إلى جواره صلى الله وسلم عليه.

عباد الله! إن حب الأولاد والأحفاد، وتقبيلهم وملاعبتهم ومداعبتهم فطرةٌ فطر الله الناس عليها، ومن لا يفعل ذلك فهو شاذ من حيث فطرته. ففي الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ وفي رواية عند أحمد في المسند (وَاللَّهِ مَا نُقَبِّلُهُم) فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوَأَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ". فانظر كيف جعل النبي صلى الله عليه وسلم تقبيل الأبناء علامة على الرحمة، وعدم تقبيلهم دلالة على نزع الرحمة من قلب العبد.

بل جعل النبي صلى الله عليه وسلم تقبيلهم سببا في رحمة الله للعبد، ففي الصحيحين أيضا عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا فَقَالَ الْأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنْ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا. فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: "مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ". وَفِي رِوَايَة (مَنْ لَا يَرْحَم النَّاس لَا يَرْحَمهُ اللَّه).

وعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنه قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُمَيْمَةَ ابْنَةِ زَيْنَبَ وَنَفْسُهَا تَقَعْقَعُ كَأَنَّهَا فِي شَنٍّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لِلَّهِ مَا أَخَذَ وَلِلَّهِ مَا أَعْطَى وَكُلٌّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَبْكِي، أَوَلَمْ تَنْهَ عَنْ الْبُكَاءِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّمَا هِيَ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ". رواه البخاري ومسلم بألفاظ قريبة، وأحمــد في المسند واللفظ له. (وَالشَّنَّة الْقِرْبَة الْبَالِيَة وَمَعْنَاهُ لَهَا صَوْت وَحَشْرَجَة كَصَوْتِ الْمَاء إِذَا أُلْقِيَ فِي الْقِرْبَة الْبَالِيَة)

وعند مسلم وأبي داود وأحمد وغيرهم عن أنس رضي الله عنه، وهو يقص وفاة إبراهيم ابن نبينا صلى الله عليه وسلم، ويروي اللحظات الأخيرة من حياته، في وقت النزع وسكرة الموت، يقول: "لَقَدْ رَأَيْتُهُ وَهُوَ يَكِيدُ بِنَفْسِهِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَدَمَعَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَاللَّهِ يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ". (وَهُوَ يَكِيدُ بِنَفْسِهِ: أَيْ يَجُود بِهَا، وَمَعْنَاهُ: وَهُوَ فِي النَّزْع)

أيها الحضور الكرام! لقد جَبَل الله الناس وفطرهم على حب الأولاد، فتتعلق قلوب الآباء والأمهات بأولادهم وأحفادهم. يسر المرء أيما سرور ويفرح أيما فرح بولده، ويحزن إذا ما ألم به مكروه، أو نزل بساحته بلاء، أو أصابه ما يسوء. ويتمنى المرء أن لو نقص من عمره ليزاد في عمر ولده، وأن لو قطع من جسده ليسلم فلذةُ كبده، ويتمنى أن لو جمعت الصحة والعافية والسرور والحبور، والغنى والجاه كل ذلك وغيره يتمنى أن يكون مجموعا لولده.

بل إن المرء لا يحب أن يسبقه أحد لا في دنيا ولا في آخره خلا ولده وفلذةِ كبده. قد يجد المرء في نفسه إذا سبقه أخوه في دنيا فكان ذا مال أو جاه أو سلطان، وقد يجد في نفسه أيضا إذا سبقه أخوه في علم أو باب من أبواب البر والخير بأن يحج قبله أو يكون عالما أو طالب علم يفوقه. ولكنه يفرح السرور كله، ويسر الحبور جميعه إذا كان ذلك السابقَ المتقدمَ عليه - ولو في العلم، ولو في الخير والبر - ابنُه.

ويشق على الإنسان جدا، ويصعب عليه كثيرا أن يموت ابنه بين يديه وفي حياته، بل إن المرء قد يصبر على موت أبيه وفراق أمه، ولا يصبر على موت وفراق أبنائه وأحفاده.

بيد أن هناك من عباد من ينظر إلى الأمر نظرة مختلفة، ويراه رؤية متباينة، إن شئت فقل: نظرة إيمانية، فهو يحب أولاده، ويهتم به كثيرا، ويعتني بهم جدا، ولكن لا فيما يتعلق بحياتهم ومماتهم فقط، ولا فيما يخص طعامهم وشرابهم وحسب. بل يتعدى الأمر الدنيا إلى الآخرة. ومعلوم أن من طلب الدنيا فقد أضر بآخرته، وأما من طلب الآخرة نجا من الدنيا وأتته وهي راغمة. فانظر -يا عبد الله!- من أي الفريقين أنت؟ وإلى أيهما تنتمي وبأي الأمرين تعتني؟

إن من عباد الله من يسعى جاهدا في فكاك رقبته من النار، ويعلم أنه مسئول عن أهله وذريته، فيصلح من نفسه، ويقوم أمره وشأنه، ويزيد من طاعاته لربه ليهدي الله جل وعلا له أولاده، وليصونهم ويحفظهم له بعد مماته، بل وفي حياته. فصلاح الأولاد بصلاح الآباء.

وقد قص الله سبحانه علينا في قصة موسى والخضر عليهما السلام، ما يدل على هذا ويؤيده، فقال جل وعلا: {فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قال لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} فَقَالَ لَهُ مُوسَى عليه السلام: قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُضَيِّفُونَا وَلَمْ يُطْعِمُونَا، فـ {لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} فين له الخضر عليه السلام السبب والدافع والحامل له على فعل ما فعل من إصلاح الجدار، فقال بعد: {وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ....}

فدلت هذه الآية الكريمة في جملة ما دلت عليه، دلت على أن العبد الصالح يحفظه الله في نفسه، وفي ذريته بصلاحه وتقواه. عباد الله! علينا جميعا أن نحدد هدفنا في هذه الحياة، علينا أن نعلم ماذا نريد لأنفسنا؟ وماذا نريد لأولادنا؟ فإن كنت تريد لنفسك النجاة من عذاب الله، والسعادة في الدنيا والآخرة فأصلح من نفسك واتق الله. وإن كنت تريد لأولادك النجاة من عذاب الله، وترجو لهم السعادة في الدنيا والآخرة فأصلح من نفسك واتق الله. وتذكر قوله جل في علاه: {وكان أبوهما صالحا}.

أيها المسلمون! إن المال وحده لا يحفظ أولادكم، فالمرء لا ينجو من النار ومن عذاب الله بمال، ولا بجاه ولا بسلطان، وإنما بالتقوى والعمل الصالح. واسمع قول ربك جل وعلا: {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا} والآية وإن كانت في من حضر وصية الذي يكون في الموت، فعليه بأن يذكره بالله، ويخوفه من ظلم ورثته، إلا أنها شاملة عامة لكل من خاف على أولاده من بعده، {فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا}.

وكان محمد بن المنكدر يقول لولده: والله يا بني إني لأزيد في صلاتي ابتغاء صلاحك.

وهذا والد الإمام البخاري رحمهما الله تعالى، وكان تاجرا غنيا، لما ترجم له البخاري، الولد يترجم لأبيه ترجمة مختصرة فيقول: (رأى حماد بن زيد، وصافح ابن المبارك بكلتا يديه) وأما الأب أبو البخاري رحمه الله لما حضرته الوفاة، دعا ابنه وقال له: (يا بني! لقد تركت لك ألف ألف درهم، ما أعلم درهماً فيه شبهة). نسأل الله جل وعلا أن يحفظ أبناءنا وبناتنا، وأن يكلؤهم بحفظه، وأن يحفظهم بعنايته ومعيته، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الخطبة الثانية:

المقدمة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ....

أما بعد: فإن كثيرا من الناس اليوم يشكو سوء خلق أبنائه وبناته، ما بين ترك للصلاة، وهجر لشعائر الدين، وسب للأبوين وشتم، بل وضرب في بعض الأحايين، وانخراط في هذا المجتمع ونسيان للهوية العربية الإسلامية، واقتراف للكبائر من زنا وشرب للخمر وما أشبه. فهذا يبيت ويصبح وقد أتاه ابنه بعاهرة زانية، حبلى من الزنا، ويريد أن يتزوج بها. وذاك يصبح ويبيت فإذا ابنته تطلب منه أن يزوجها من صديقها أو زميل دراستها النصراني أو الكافر المشرك الذي لا يدين لله رب العالمين بدين. إلى روايات لا تنتهي وقصص لا تحصى مما يدمع له القلب لا العين، وتبكي لأجله العيون الدماء لا العبرات، ويحترق منه الفؤاد.

فأدرك نفسك يا عبد الله! قبل أن تندم في يوم لا ينفع فيه الندم، قبل أن تقول يا ليت أمي لم تلدني، قبل أن تصرخ بجماع قوتك فلا يسمع صراخَك أحد، قبل أن تبكي الدماء لا الدموع فلا تجد من يمسح عبراتك، قبل أن تفقد ابنتك عفتها وكرامتها، قبل أن يلحقك عار لا تستطيع أن تمحوه لا في حياتك ولا بعدَ مماتك.

فإلى كل أب رحيم رفيق، ووالد رؤوم شفيق، اتق الله في أبنائك وبناتك! وربهم على منهاج النبوة منذ الصغر حتى يسمعوا ولك يطيعوا في الكبر.

أخرج أحمد وأبو داود وغيرهما عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ". يعني إذا بلغ أولادكم سبعا فأمروهم بأداء الصلاة، ليعتادوها ويأنسوا بها، فإذا بلغوا عشرا، فاضربوهم على تركها، وفرقوا بين أولادكم في مضاجعهم التي ينامون فيها إذا بلغوا عشرا حذرا من غوائل الشهوة. فجمع بين الأمر بالصلاة والتفريق بينهم في المضاجع منذ طفولتهم، تربية وتأديبا وحملا على أوامر الله ومحافظة عليها، وأن لا يقفوا مواقف التهم فيجتنبوا ما حرم الله.

فاتق الله في أبنائكم وبناتك وعلمهم التوحيد ونواقض الإسلام، حتى لا يتورطوا في الشرك والبدع والخرافات، علمهم الخوف من الله جل وعلا، ومراقبته في السر والعلن، علمهم كتاب الله جل وعلا، علمهم سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وسيرة صحابته الكرام رضوان الله عليهم، علمهم الحلال والحرام من الطعام حتى لا يتورطوا في أكل الخنزير أو شرب الخمر، علمهم هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الطعام والشراب، والنوم والاستيقاظ ونحو ذلك، علمهم مكارم الأخلاق وانههم عن سفسافها، اربطهم بإسلامهم وعروبتهم، أكثِر من الإتيان بهم إلى بيوت الله، اجتمع بهم في بيتك على مأدبة القرآن وسيرة النبي العدنان صلى الله عليه وسلم.

عباد الله! إن أولادكم قبل أن تربيهم المدرسة والمجتمع، يربيهم البيت والأسرة، فالولد مدين لأبويه في سلوكه الاجتماعي المستقيم، والأبوان مسئولان إلى حد كبير عن انحراف ابنهم الخلقي.

وانظر إلى الأسرة الصالحة والبيت الصالح كيف يربون أولادهم، ويقومون عليهم؟ يقول الإمام المبجل أحمد بن محمد بن حنبل إمام أهل السنة، يقول: حفَّظتني أمي القرآن وعمري عشر سنوات، وكانت توقظني قبل صلاة الفجر بوقت ليس بالقصير، وتحمي لي الماء؛ لأن الجو كان باردًا في بغداد، وتُلبسُني اللباس، ثم نصلي أنا وإياها من قيام الليل ما شاء الله ، ثم ننطلق إلى المسجد وهي مغطاة بحجابها؛ لأن الطريق كانت بعيدة مظلمة موحشة لنصلي الفجر في المسجد، وتبقى معه حتى منتصف النهار لتعلمه القرآن والفقه. يقول: فلما بلغت السادسة عشرة قالت: يا بني سافِرْ في طلب الحديث؛ فإن طلب الحديث هجرة في سبيل الله. فأعدت له بعض متاع السفر من أرغفة الشعير ومن صُرَّة ملح، ثم قالت: إن الله إذا استُودِع شيئًا حفظه، فأستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه. ذهب من عندها إلى المدينة وإلى مكة وإلى صنعاء راحلا في طلب العلم، ثم يعود ليصبح إمام الدنيا وإمام أهل السنة، رحمة الله عليه وعلى أمه. وقد مات أبوه وعمره ثلاث سنوات على الراجح، وكان مجاهدا مغمورا، وأما أمه فهي التي ربته وأدبته وعلمته.

قال الذهبي عن الإمام أحمد: ووالله لقد بلغ في الفقه خاصة رتبة الليث، ومالك، والشافعي، وأبي يوسف، وفي الزهد والورع رتبة الفضيل، وإبراهيم بن أدهم، وفي الحفظ رتبة شعبة، ويحيى القطان، وابن المديني. ولكن الجاهل لا يعلم رتبة نفسه، فكيف يعرف رتبة غيره؟

وصدق من قال:

فليس اليتيم من مات أبواه ... وخلفاه في الحياة ذليلا

إنما اليتيـم من تـراه له ... أما تخلت أو أبا مشغولا

هذا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين. وسبحان الله وبحمده، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.