Home الأسرة المسلمة الإسلام وتربية الأولاد

الإسلام وتربية الأولاد

 

تاريخ إلقاء الخطبة: 28 صفر 1431هـ / 12 فبراير 2010مكان إلقاء الخطبة: مسجد دار السلام، بودابست، المجر

عنوان الخطبة: الإسلام وتربية الأولاد

الخطبة الأولى:

المقدمة: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره .....

أما بعد: فما من يوم يمر غالبا إلا ونسمع فيه أو يقال: ولد فلان، ومات فلان. فما تزال أرحام النساء تدفع، ولا تزال القبور تبلع. والناس مع هذا وهذا على حالين مختلفين متباينين: سرور وفرح بما يولد، وحزن وترح على من يموت. فكم من مولود فرح به الأب وقت وفادته، وسرت به الأم حين ولادته، وتناقله الأهل بين أيديهم هذا يلاعبه، وذاك يداعبه، هذا يحمله، وذاك يقبله، هذا يطعمه وذاك يكرمه. ثم يأتي الوقت المحتوم، والأجل المقدر المعلوم، كما قال تعالى: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (الرحمن: 26)} وقال تعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (الأعراف: 34)} وقال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ (العنكبوت: 57)} فيخرج المرء من هذه الحياة الملموسة المحسوسة المرئية، إلى حياة أخرى خفية غيبية، نسمع عنها ونؤمن بما صح من أخبارها ولم نر منها شيئا.

كثيرا ما نسمع ولد فلان، وكثيرا ما يقال: مات فلان. فلان الذي قد ولد منذ مدة مرت كساعات أو كأيام، مرت كأضغاث أحلام، ولكن الحق الذي لا مرية فيه أنه قد مات كما أن غيره سيموت. فكم من عيون باكيات! وكم من دموع سائلات! وكم من ألسن تدعوا ترجوا الرحمات!.

كثيرا ما يحظى المرء بكبير عناية، ومزيد اهتمام منذ دخوله الدنيا إلى وقت خروجه منها، فيما يتعلق بمولده، ومطعمه ومشربه، وملبسه ومسكنه، بل وحتى في موته ودفنه. ولكن ماذا عن إيمانه وعقيدته؟ ماذا عن حياة قبله؟ ماذا عن غذاء روحه؟ ماذا عن زكاة نفسه؟ ماذا عن صفاء قلبه؟ ماذا عن أدبه وخلقه؟ ماذا عن الواجبات المحتَّمات؟ هذه أسئلة قل من يلتفت إليه من الآباء والأمهات، وقل من يعول عليها من المسلمين والمسلمات!!

فكم من مولود من أبناء المسلمين دخل الدنيا وخرج منها وهو لا يعلم من الإسلام إلا اسمه، ومن الدين إلا رسمه. بل كم من مولود من أبناء المسلمين قد ضاع في هذه البلاد التي لا دين فيها يحجب ويمنع، ولا خلق فيها يدفع، ولا قانون فيها يردع.

كم من قصة تعرفونها، وكم من حكاية تعلمونها عن فتى وٌلِدَ من أب مسلم عربي ولم ير أباه! وكم من فتاة جاءت إلى الدنيا في هذه البلاد وتركها أبوها بين ذئاب الكفر وأنيابهم فتلوثت بخبثهم ودناستهم! فهذا ليله ونهاره في الخمارة، وهذه راقصة تبيع الهوى، إلى غير ذلك من قصص وحكايات تعرفون أبطالها، بل ضحاياها، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

عباد الله! إن الله جل وعلا بين في كتابه الكريم صنفا من الناس سماهم عباد الرحمن، وبين صفاتهم وشياتهم، فقال سبحانه: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا (الفرقان: 63)} إلى أن قال سبحانه: {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (الفرقان:74)}. فمن صفات عباد الرحمن أنهم يدعون ربهم المنان بصلاح الأزواج والذرية، وأن يجعلهم قرة أعين لهم. فكونوا من عباد الرحمن.

وها هو إبراهيم عليه السلام خليل الرحمن، يدعو الله جل وعلا بأن يحفظه وابنه وذريته على الإسلام، وأن يتوب عليه وعليهم، وأن يجنبه وبنيه عبادة الأصنام، كما قال سبحانه: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (البقرة: 128) وقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ (إبراهيم: 35)}

يا لله العجب! إبراهيم عليه السلام، خليل الرحمن، وأبو الأنبياء، الذي قال فيه سبحانه وتعالى: {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً (النحل: 120)} ولم يصف الله تعالى أحدا من خلقه بهذا الوصف، ومع ذلك يدعو ربه جلا وعلا لنفسه ولبنيه: {وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ} كما يدعوه أن يحفظهم ويؤمنهم ويرزقهم الرزق الحلال ليكونوا لربهم عابدين حامدين شاكرين، فيقول: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (إبراهيم: 37)} ويحمد ربه جل وعلا على عطائه ومنِّه، وهبته وفضله، يحمده على نعمة الولد، فيقول: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ (إبراهيم:39)} ويدعوه تعالى أن يعينه على المحافظة على الصلاة وإقامتها على الوجه الذي يرضيه، فيقول: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (إبراهيم: 40)} قال ابن كثير رحمه الله: ينبغي لكل داع أن يدعو لنفسه ولوالديه ولذريته.

وبين لنا نبينا صلى الله عليه وسلم فضل دعاء الوالد لولده، ففي الحديث الحسن عند أحمد وأبي داود، واللفظ له، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْوَالِدِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُومِ". ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن، منها دعوة الوالد بإطلاق.

وفي رواية ابن ماجه: "وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ". وفي رواية للترمذي وأحمد: "وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ". فدعاؤك لولدك أو عليه مستجاب إن شاء الله، فاختر لنفسك ما يسرك.

وعند مسلم وأبي داود جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ، وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لَا تُوَافِقُوا مِنْ اللَّهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ". فنهانا صلى الله عليه وسلم أن ندعو على أولادنا.

وبين لنا ربنا جل وعلا -في سورة عظيمة من سور القرآن العظيم هي سورة لقمان- أصول التربية الإسلامية لأبنائنا من خلال وصايا لقمان الحكيم لابنه، فقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ. وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ. وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ. يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ. وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ. وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (لقمان: 19:16)}

فهذه هي جوانب التربية الإسلامية التي يجب أن نربي عليها أولادنا، وننشئ عليها ذريتنا.

أولًا: الدعوة إلى غرس عقيدة التوحيد في نفوسهم {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}.

ثانيًا: بر الوالدين وطاعتهما ولو كانا كافرين {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ ...} والبر والطاعة في المعروف، {وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ..}

ثالثًا: التربية على الإِيمان بقدرة الله عز وجل ومراقبته في السر والعلن {يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ}.

رابعًا: التوجه إلى الله تعالى بالصلاة، والتوجه إلى الناس بالدعوة إليه تعالى، والصبر في سبيل الدعوة ومتاعبها {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُور}

خامسًا: الآداب الاجتماعية وهي: {وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاس وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً ..} {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ}

فهذه الوصايا الحكيمة هي منهج الآداب السامية التي يؤدب الله بها عباده؛ وفي امتثالها صلاح الآباء والأمهات والأولاد والأمم والمجتمعات، فاحرصوا عليها واعملوا بما فيها تفوزوا دنيا وآخرة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الخطبة الثانية:

المقدمة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ....

أما بعد: فيقول سبحانه وتعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ}

قال السعدي –رحمه الله تعالى- في تفسيره: يخبر تعالى عن امتنانه على عبده الفاضل لقمان، بالحكمة، وهي العلم بالأحكام، ومعرفة ما فيها من الأسرار والإحكام، فهي مستلزمة للعلم، بل وللعمل، ولهذا فسرت الحكمة بالعلم النافع، والعمل الصالح. ثم أمره تعالى أن يشكره على هذه المنة، وتلك العطية، ليبارك له فيها، وليزيده من فضله، وأخبره أن شكر الشاكر يعود نفعه عليه، وأن من كفر فلم يشكر اللّه، عاد وبال ذلك عليه. والله غني عنه حميد فيما يقدره ويقضيه، على من خالف أمره.

وقد اختلف المفسرون، هل كان لقمان نبيا، أو عبدا صالحا؟ واللّه تعالى لم يذكر عنه إلا أنه آتاه الحكمة، وذكر بعض ما يدل على حكمته في وعظه لابنه، فذكر أصول الحكمة وقواعدها الكبار.

فهذه الوصايا التي وصى بها لقمان لابنه، تجمع أمهات الحكم، وتستلزم ما لم يذكر منها، وكل وصية يقرن بها ما يدعو إلى فعلها، إن كانت أمرا، وإلى تركها إن كانت نهيا.

فأمره بأصل الدين، وهو التوحيد، ونهاه عن الشرك، وبيَّن له الموجب لتركه. وأمره ببر الوالدين، وبين له السبب الموجب لبرهما، وأمره بشكره وشكرهما، ثم احترز بأن محل برهما وامتثال أوامرهما، ما لم يأمرا بمعصية، ومع ذلك فلا يعقهما، بل يحسن إليهما، وإن كان لا يطيعهما إذا جاهداه على الشرك. وأمره بمراقبة اللّه، وخوَّفه القدوم عليه، وأنه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة من الخير والشر، إلا أتى بها. وأمره بإقامة الصلاة، وبالصبر اللذين يسهل بهما كل أمر، وأمره بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. ونهاه عن التكبر، وأمره بالتواضع، ونهاه عن البطر والأشر، والمرح، وأمره بالسكون في الحركات والأصوات، ونهاه عن ضد ذلك.

فحقيق بمن أوصى بهذه الوصايا، أن يكون مخصوصا بالحكمة، موصوفا بها، مشهورا مذكورا. ولهذا من منة اللّه تعالى عليه وعلى سائر عباده، أن قص عليهم من حكمته، ما يكون لهم به أسوة حسنة.

وخذ –غير مأمور- واسمع – مأجورا غير مأزور- هذه القصة المفرحة للنفوس، المثلجة للصدور، والتي ليست على غرار ونمط ونسق ما نسمعه ونحسه ونشاهده ونراه في دنيا الناس اليوم.

أخرج الطبراني في الكبير والأوسط بسنده عَنِ الأَعْمَشِ، قَالَ: كَانَ سَالِمُ بن عَبْدِ اللَّهِ قَاعِدًا عِنْدَ الْحَجَّاجِ، فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: قُمْ فَاضْرِبْ عُنُقَ هَذَا، فَأَخَذَ سَالِمٌ السَّيْفَ، وَأَخَذَ الرَّجُلَ وَتَوَجَّهَ بَابَ الْقَصْرِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ أَبُوهُ وَهُوَ يَتَوَجَّهُ بِالرَّجُلِ، فَقَالَ: أَتُرَاهُ فَاعِلا؟ فَرَدَّهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا. فَلَمَّا خَرَج بِهِ قَالَ لَهُ سَالِمٌ: صَلَّيْتَ الْغَدَاةَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَخُذْ أَيَّ طَرِيقٍ شِئْتَ. ثُمَّ جَاءَ فَطَرَحَ السَّيْفَ. فَقَالَ لَهُ الْحَجَّاجُ: أَضَرَبْتَ عُنُقَهَ؟ قَالَ: لا. قَالَ: وَلِمَ؟ قَالَ: حدثني أبي أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من صلى الصبح كان في جوار الله يومه، فكرهت أن أقتل رجلا أجاره الله" فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: (مَكِيسٌ، إِنَّمَا سَمَّيْنَاكَ سَالِمًا لِتَسْلَمَ). وأصل الحديث عند مسلم والترمذي من رواية جندب بن عبد الله البجلي.

(إن أبي هذا حدثني) يا لها من كلمات غالية، يا لها من عبارة سامية! إن أبي هذا حدثني، أرشدني، بين لي، علمني، حَفِظَني، ما تركني، ما ضيعني، ما هجرني، ما قصر في حقي. علمني كيف أحفظ حدود الله، علمني كيف أقف عند أوامر الله، علمني وبين لي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فغلى كل أب فاضل، ومسلم عاقل غيور!

اعلموا –يا رحمني الله وإياكم- أن الأبناء قبل أن تربيهم المدرسة والمجتمع يربيهم البيت والأسرة، فالولد مدين لأبويه في سلوكه الاجتماعي المستقيم، والأبوان مسئولان إلى حد كبير عن انحراف ابنهم الخلقي.

روى أهل التأريخ والسير عن مشيخة أهل المدينة (والقصة ضعفها بعضهم)، رووا أن فروخاً أبا عبد الرحمن أبو ربيعة خرج في البعوث إلى خراسان أيام بني أمية غازياً، وربيعة حمل في بطن أمه، وخلف عند زوجته أم ربيعة ثلاثين ألف دينار؛ فقدم المدينة بعد سبع وعشرين سنة وهو راكب فرساً، في يده رمح، فنزل عن فرسه، ثم دفع الباب برمحه، فخرج ربيعة فقال له: يا عدو الله! أتهجم على منزلي؟ فقال: لا، وقال فروخ: يا عدو الله! أنت رجل دخلت على حرمتي! فتواثبا، وتلبب كل واحد منهما بصاحبه حتى اجتمع الجيران، فبلغ مالك بن أنس والمشيخة، فأتوا يعينون ربيعة، فجعل ربيعة يقول: والله لا فارقتك إلا عند السلطان، وجعل فروخ يقول: والله لا فارقتك إلا بالسلطان وأنت مع امرأتي، وكثر الضجيج. فلما بصروا بمالك سكت الناس كلهم، فقال مالك: أيها الشيخ! لك سعة في غير هذه الدار، فقال الشيخ: هذه داري وأنا فروخ مولى بني فلان، فسمعت امرأته كلامه فخرجت فقالت: هذا زوجي وهذا ابني الذي خلفته وأنا حامل به، فاعتنقا جميعاً وبكيا. فدخل فروخ المنزل وقال: هذا ابني؟! قالت: نعم، قال: فأخرجي المال الذي لي عندك، وهذه معي أربعة آلاف دينار، فقالت: المال قد دفنته وأنا أخرجه بعد أيام. فخرج ربيعة إلى المسجد، وجلس في حلقته، وأتاه مالك بن أنس، والحسن بن زيد، وغيرهما من أشراف أهل المدينة، وأحدق الناس به. فقالت امرأته: اخرج صل في مسجد الرسول، فخرج فصلى، فنظر إلى حلقة وافرة، فأتاه، فوقف عليه، ففرجوا له قليلاً، ونكس ربيعة رأسه يوهمه أنه لم يره، وعليه طويلة، فشك فيه أبو عبد الرحمن فقال: من هذا الرجل؟ فقالوا: هذا ربيعة بن أبي عبد الرحمن، فقال أبو عبد الرحمن: لقد رفع الله ابني؛ فرجع إلى منزله فقال لوالدته: لقد رأيت ولدك في حالة ما رأيت أحداً من أهل العلم والفقه عليها، فقالت أمه: فأيما أحب إليك، ثلاثون ألف دينار أو هذا الذي هو فيه من الجاه؟ قال: لا والله، ألا هذا، قالت: فإني قد أنفقت المال كله عليه، قال: فوالله ما ضيعته.

هذا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين. وسبحان الله وبحمده، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.