Home الأسرة المسلمة وسائل السعادة الزوجية

وسائل السعادة الزوجية

 

تاريخ إلقاء الخطبة: 16 شعبان 1430هـ / 07 أغسطس 2009م

مكان إلقاء الخطبة: مسجد دار السلام، بودابست، المجر

عنوان الخطبة: وسائل السعادة الزوجية

الخطبة الأولى:

المقدمة: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره .....

أما بعد: فإن من نعم الله تعالى التي منّ بها على عباده أن خلق لهم من أنفسهم أزواجاً ليسكنوا إليها وجعل بينهم مودة ورحمة. قال تعالى: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون} وهي نعمة عظيمة لا يعرف قدرها إلا من حرم منها. ولكن هذه الحياة الزوجية قد يشوبها شيء من الفتور ويحصل فيها شيء من المنغصات التي قد تكدر صفوها. ولا شك أن كل زوج حريص على أن تكون حياته الزوجية حياة سعادة وهناء.

فكيف يحافظ الزوجان على بيت الزوجية سعيداً آمناً من التفكك والمنازعات، ترفرف عليه الرحمة وتحيطه المودة؟ إن الشارع الحكيم قد جعل لكل شيء قدراً وقرر واجبات وحقوقاً، فإذا قام كل مسلم بما وجب عليه شرعاً، تحقق له كل خير في الدنيا والآخرة. ولذا فإن هناك توجيهات ينبغي لكل من الزوجين الأخذ بها لتكون حياتهما سعيدة، ويعيشا عيشة رغيدة في ظل تعاليم شريعتنا السمحة.

أولا: ليكن أساس بيت الزوجية طاعة رب البرية جل وعلا، وليصلح كل من الزوجين ما بينه وبين الله، ليصلح الله جل وعلا ما بينهما. قال جل وعلا: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا}. وليكن كل منهما عونا للآخر على طاعة الله جل وعلا.

وهناك من القربات والطاعات والحسنات ما لا يستطيعه المرء إلا تحت كنف الزوجية، وفي حصنها، وداخل أسوارها. فهل تعلم أخي الكريم، أيها الزوج الصالح إن شاء الله تعالى، هل تعلم أنك تستطيع أن تتحصل على رحمة الله جل وعلا كل ليلة وأنت وزجك، وهذا يسير جدا على من يسره الله عليه.

أخرج أهل السنن إلا الترمذي، وكذلك الحاكم وابن حبان عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ فَصَلَّى وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ، ورَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنْ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ وَأَيْقَظَتْ زَوْجَهَان فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ". والحديث صححه الألباني.

بل وتكتب في تلك الليلة من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما قَالَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ اسْتَيْقَظَ مِنْ اللَّيْلِ وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّيَا رَكْعَتَيْنِ جَمِيعًا كُتِبَا مِنْ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ". رواه أهل السنن إلا الترمذي، وقال الحافظ: صحيح على شرط الشيخين، وصححه الألباني.

وهل تعلم أن في إتيانك زوجتك، وقضاء وطرك وشهوتك أجراً أيضا، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ. قَالَ: أَوَ لَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرًا". رواه مسلم وأحمد وغيرهما.

وفي نفقتك وإطعامك لأهلك وعيالك أجر أيضا، فقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما واللفظ لمسلم بسنده عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ وَلَدِ سَعْدٍ بن أبي وقاص رضي الله عنه كُلُّهُمْ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى سَعْدٍ يَعُودُهُ بِمَكَّةَ فَبَكَى، قَالَك مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَالَ: قَدْ خَشِيتُ أَنْ أَمُوتَ بِالْأَرْضِ الَّتِي هَاجَرْتُ مِنْهَا كَمَا مَاتَ سَعْدُ بْنُ خَوْلَةَ. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا! اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا! ثَلَاثَ مِرَارٍ. قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي مَالًا كَثِيرًا، وَإِنَّمَا يَرِثُنِي ابْنَتِي، أَفَأُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَبِالثُّلُثَيْنِ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَالنِّصْفُ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَالثُّلُثُ؟ قَالَ: الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ. إِنَّ صَدَقَتَكَ مِنْ مَالِكَ صَدَقَةٌ، وَإِنَّ نَفَقَتَكَ عَلَى عِيَالِكَ صَدَقَةٌ، وَإِنَّ مَا تَأْكُلُ امْرَأَتُكَ مِنْ مَالِكَ صَدَقَةٌ، وَإِنَّكَ أَنْ تَدَعَ أَهْلَكَ بِخَيْرٍ أَوْ قَالَ: بِعَيْشٍ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَقَالَ بِيَدِه".

وأخرج مسلم وغيره عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ تَصَدَّقْتَ بِهِ عَلَى مِسْكِينٍ، وَدِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الَّذِي أَنْفَقْتَهُ عَلَى أَهْلِكَ". فيا ليت قومي يعلمون!!

وثانيا: العشرة بالمعروف. إن الله تبارك وتعالى قد أمرنا بمعاشرة أزواجنا بالمعروف، كما قال سبحانه: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} فكيف تكون العشرة بالمعروف؟

هذا يشمل المعاشرة القولية والفعلية، فعلى الزوج أن يعاشر زوجته بالمعروف، من الصحبة الجميلة، وكف الأذى وبذل الإحسان، وحسن المعاملة، ويدخل في ذلك النفقة والكسوة ونحوهما، فيجب على الزوج لزوجته المعروف من مثله لمثلها، وهذا يتفاوت بتفاوت الأحوال، بل وباختلاف الزمان والمكان.

{فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} وهذا الخير يكون في امتثال أمر الله تعالى، وقبولُ وصيته التي فيها سعادة الدنيا والآخرة. مع ما في ذلك من مجاهدة النفس، والتخلق بالأخلاق الجميلة. وربما أن الكراهة تزول وتخلفها المحبة، كما هو الواقع. وربما رزق منها ولدا صالحا نفع والديه في الدنيا والآخرة.

وهذا إذا أمكن الإمساك مع عدم المحذور، فإن تعذر أن يمسكها ولم يكن إلا الفراق، فليس الإمساك بلازم، كما لو ساء خلقها جدا، وتغير حالها، ونقصت درجة إيمانها.

وقال تعالى: {وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} أي: لا تُضارّوهن في العِشرة لتترك لك ما أصدقتها أو بعضه أو حقًا من حقوقها عليك، أو شيئًا من ذلك على وجه القهر لها والاضطهاد. وعن ابن عباس رضي الله عنه: {وَلا تَعْضُلُوهُنَّ} ولا تقهروهن {لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ} يعني: الرجل تكون له امرأة وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مَهرٌ فيَضرها لتفتدي.

وأخرج والترمذي وابن ماجه وغيرهما عن عمرو بن الأحوص وقد شهد حجة الوداع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيها: "أَلَا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا (الِاسْتِيصَاءُ قَبُولُ الْوَصِيَّةِ وَالْمَعْنَى أُوصِيكُمْ بِهِنَّ خَيْرًا فَاقْبَلُوا وَصِيَّتِي فِيهِنَّ)، فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ (جَمْعُ عَانِيَةٍ والْعَانِي: الْأَسِيرُ) لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ (كَالنشوز وشكاسة الخلق، وإيذاء الزوج وأهله باللسان واليد، وليس المراد الزنا) فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ (مُجَرِّحٍ أَوْ شَدِيدٍ شَاقٍّ) فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا. أَلَا إِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا وَلِنِسَائِكُمْ عَلَيْكُمْ حَقًّا فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ فَلَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ مَنْ تَكْرَهُونَ (يُدْخِلْنَ وَيَأْذَنَّ)، وَلَا يَأْذَنَّ فِي بُيُوتِكُمْ لِمَنْ تَكْرَهُونَ. أَلَا وَإِنَّ حَقَّهُنَّ عَلَيْكُمْ أَنْ تُحْسِنُوا إِلَيْهِنَّ فِي كِسْوَتِهِنَّ وَطَعَامِهِنَّ". وصححه ابن القيم في الزاد، وكذلك الألباني.

وثالثا: ليكن قدوتك وأسوتك في تعاملك مع زوجتك النبي محمد صلى الله عليه وسلم. فعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ". وعَنْ الْأَسْوَدِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ -تَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ- فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ". رواه البخاري وغيره.

وعن القاسم أن عائشة رضي الله عنها سئلت: مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ؟ قَالَتْ: كَانَ بَشَرًا مِنْ الْبَشَرِ: يَفْلِي ثَوْبَهُ، وَيَحْلُبُ شَاتَهُ، وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ". رواه أحمد وغيره بسند قوي.

ومن حسن المعاشرة لين الجانب، وغض الطرف عما قد يحدث في ساعة غضب قد يبتهلها الشيطان ليلعب بعقلك، فتسب أو تشم أو تضرب.

واسمع هذه القصة التي يصعب علينا جميعا أن نكون أبطالا لها، نعم، فلا أعلم على ظهر الأرض أحدا حدث معه مثل هذا الموقف ثم غض الطرف، وتجاوز وصفح. عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ فَضَرَبَتْ الَّتِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهَا يَدَ الْخَادِمِ فَسَقَطَتْ الصَّحْفَةُ فَانْفَلَقَتْ فَجَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِلَقَ الصَّحْفَةِ ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ وَيَقُولُ غَارَتْ أُمُّكُمْ ثُمَّ حَبَسَ الْخَادِمَ حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا وَأَمْسَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ".

نعم مثلنا لا يقوى على هذه الخلال، مثلنا لا يرقى إلى هذه الأخلاق. ولكأني بأحدنا وقد فعلت زوجته هذا أمام بعض أصحابه، لكـني به يفلق رأسها، أو يكسر عظمها، أو يهرق دمها، أو يرسلها إلى المقبرة من فورها. ولكن هذا لا يكون من النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

فانظر كيف تعامل –صلى الله عليه وسلم- مع هذا الموقف المحرج حقا، وتعلم كيف خرج منه، وتأمل كيف تصرف فيه؟ يطير الإناء الذي فيه الطعام، فيكسر، ويسقط الطعام على الأرض، فيجمع النبي صلى الله عليه وسلم أجزاء الإناء بعضها إلى بعض، ويجمع الطعام، ويداعب النبي صلى الله عليه وسلم زوجته التي فعلت ذلك، ويخفف عن أصحابه الذين شهدوا فعلها، فيقول: "غارت أمكم" وكأنه يقول: هي أمكم مهما حدث ومهما وقع، ثم إن الدافع لها والحامل على ذلك هو الغيرة على نبيكم وصاحبكم. وأنت أيتها الزوجة العزيزة، إنما أنت لهم أم فلا يهولنك ما حدث، وطيب نفسا فإنما هم منك بمنزلة الولد. ويحكم بالعدل والمعدلة، فيحبس الإناء الذي كسر للذي كسرته، ويرسل بآخر صحيحا للتي أرسلت.

قال الحافظ ابن حجر (رحمه الله) في فتح الباري نقلا عن شراح هذا الحديث: (وفِيهِ إِشَارَة إِلَى عَدَم مُؤَاخَذَة الْغَيْرَاء بِمَا يَصْدُر مِنْهَا لِأَنَّهَا فِي تِلْكَ الْحَالَة يَكُون عَقْلهَا مَحْجُوبًا بِشِدَّةِ الْغَضَب الَّذِي أَثَارَتْهُ الْغَيْرَة). فاللهم صل على النبي محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

الخطبة الثانية:

المقدمة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ....

أما بعد: فقد صدق الله العظيم حين قال: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، وذكر الله كثيرا} (الأحزاب: 21). فمهما واجه العالم من مشاكل وصعوبات، ومحن وأزمات على المستوى الفردي الشخصي، أو الجماعي فإن ذلك بسبب بعدهم عن هدي الحبيب النبي صلى الله عليه وسلم.

وأنت –رحمني الله وإياك- لو تأسيت بالنبي صلى الله عليه وسلم في بيتك لوجدت الراحة والطمأنينة والسعادة، ومن ذاق عرف. عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: بَلَغَ صَفِيَّةَ أَنَّ حَفْصَةَ قَالَتْ بِنْتُ يَهُودِيٍّ فَبَكَتْ فَدَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ تَبْكِي فَقَالَ مَا يُبْكِيكِ فَقَالَتْ قَالَتْ لِي حَفْصَةُ إِنِّي بِنْتُ يَهُودِيٍّ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّكِ لَابْنَةُ نَبِيٍّ وَإِنَّ عَمَّكِ لَنَبِيٌّ وَإِنَّكِ لَتَحْتَ نَبِيٍّ فَفِيمَ تَفْخَرُ عَلَيْكِ ثُمَّ قَالَ اتَّقِي اللَّهَ يَا حَفْصَةُ". رواه أحمد والترمذي وغيرهما. بهذه الكلمات الطيبة يمسح النبي صلى الله عليها وسلم عبرتها، ويذهب حزنها، ويسري عنها. فاللهم صل على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

وعَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي". رواه الترمذي، وابن حبان، وغيرهما، ورواه عن ابن عباس ابن ماجه، وابن حبان.

وعَنْ إِيَاسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ذُبَابٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَضْرِبُنَّ إِمَاءَ اللَّهِ". فَجَاءَ عُمَرُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ ذَئِرَ النِّسَاءُ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ، فَأْمُرْ بِضَرْبِهِنَّ. فَضُرِبْنَ، فَطَافَ بِآلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَائِفُ نِسَاءٍ كَثِيرٍ، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ: "لَقَدْ طَافَ اللَّيْلَةَ بِآلِ مُحَمَّدٍ سَبْعُونَ امْرَأَةً، كُلُّ امْرَأَةٍ تَشْتَكِي زَوْجَهَا، فَلَا تَجِدُونَ أُولَئِكَ خِيَارَكُمْ". رواه أبو داود وابن ماجه واللفظ له، وغيرهما وصححه الألباني.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ". رواه مسلم وأحمد وغيرهما، والفرك: البغض.

وعَنْ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ سَأَلَهُ رَجُلٌ مَا حَقُّ الْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ قَالَ تُطْعِمُهَا إِذَا طَعِمْتَ وَتَكْسُوهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ وَلَا تُقَبِّحْ وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ". رواه أحمد واللفظ له وأبو داود وغيرهما.

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ النَّاقَةَ وَذَكَرَ الَّذِي عَقَرَهَا فَقَالَ: {إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا} انْبَعَثَ بِهَا رَجُلٌ عَزِيزٌ عَارِمٌ مَنِيعٌ فِي رَهْطِهِ مِثْلُ أَبِي زَمْعَةَ ثُمَّ ذَكَرَ النِّسَاءَ فَوَعَظَ فِيهِنَّ ثُمَّ قَالَ إِلَامَ يَجْلِدُ أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ (فِي رِوَايَةِ: جَلْدَ الْأَمَةِ) وَفِي أخرى: (جَلْدَ الْعَبْدِ) وَلَعَلَّهُ يُضَاجِعُهَا مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ". متفق عليه واللفظ لمسلم.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ خُلُقًا". رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني.

وعن جابر بن عبد الله، وجابر بن عمير قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل شي ليس فيه ذكر الله فهو لهو ولعب إلا أربع: ملاعبة الرجل امرأته، وتأديب الرجل فرسه، ومشيه بين الغرضين، وتعليم الرجل السباحة". أخرجه النسائي في السنن الكبرى، والطبراني، وأبو نعيم بإسناد صحيح.

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا". رواه مسلم وأحمد والنسائي.

ولعلك تعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد مات عن تسع نسوة، فهل سمعت أو قرأت مرة أن واحدة منهن قد اشتكت منه ولو بعد وفاته، حاشا وكلا. فاللهم ألهمنا رشدنا، وبصرنا بعيوبنا، واهدنا لما فيه صلاح ديننا ودنيانا ...

هذا، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين. وسبحان الله وبحمده، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.