Home الزهد والرقائق فضل القرآن وأهله

فضل القرآن وأهله

تاريخ الخطبة: الجمعة 02 جمادى الأولى 1431هـ / 16 أبريل 2010

مكان إلقاء الخطبة: مسجد دار السلام– بودابست- المجر

عنوان الخطبة: فضل القرآن وأهله

الخطبة الأولى:

المقدمة: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره .....

أما بعد: فإن مقاييس الفرح والحزن تختلف باختلاف الأفهام والعقول، وتتباين بتباين ما في القلوب والصدور. وهذا ينبني على أصلين عظيمين الأول: نظرة المرء إلى هذه الحياة الدنيا الفانية، والثاني: نظرته إلى تلك الحياة الأخرى الباقية. فوفق هاتين النَّظْرَتين يسعى المرء في هذه الحياة، ويروح ويجيء، ويقدم ويؤخر، ويعطي ويمنع، ويُقْدِم ويُحْجِمُ، ويفعل ويترك، ويتكلم ويصمت، ويؤمن ويكفر. فما يفرح به الصبي الصغير غير ما يُفْرِح الرجل الكبير، وما يحزن العاقل الأريب، بخلاف ما يحزن السفيه والمجنون، وما يثلج صدر المؤمن الصادق، سوى ما يسر الكافر الفاجر، وما يُكْرِب ويُحْزِن المسلم الطائع بخلاف ما يسوء المسلم العاصي. كما أن أقوال وأفعال من يعد هذه الدنيا قنطرة ومعبرا لدار القرار، ومحلا لتحصيل الحسنات، وتكفير السيئات، بخلاف أقوال وأفعال من يعتبرها فرصة للعربدة ومقرا للشهوات، ومنزلا للملذات. فانظر يا عبد الله من أي الفريقين أنت؟ وإلى أيهما تنتمي وتصير؟

عباد الله: لا شك أن الكل إلى الموت صائر، وللقبر ساكن وزائر. وإذا ما مات الإنسان انقطع عمله، وانمحى من الدنيا اسمه، ونسي ذكره ورسمه، وصار ماله لغيره، فسكن داره، وأكل خيره. وأما هو –الذي مات- ففي القبر مسكنه، وتحت الأرض مدفنه. كان على ظهر الأرض يتحرك ويدب دبيبا، فصار في باطنها ما به من حَراك. كان فوق الأرض وقد كثر حوله الناس، ما بين صاحب وصديق، وقريب ورفيق، هذا يضاحكه، وذاك يمازحه، وآخر يؤانسه، فصار في قبره وحيدا فريدا، حيث لا أنيس ولا جليس. كان على ظهر الأرض يضاحك زوجته ويداعبها، ويمازح ابنته ويلاعبها، فصار وحيدا في باطنها. كان فوق الأرض يأكل ما لذَّ وطاب، ويتمتع بالطعام والشراب، يتطيب بالمسك، ويتزين بجميل الثياب، ويزيل ما علق به من غبار وتراب، فصار في باطن الأرض تحت التراب، يتلذذ الدود بأكله، وتستمتع الهوام بلحمه. فبموت الإنسان ينسى، وبدفنه وقبره ذكره يمحى.

بيد أن هناك من عباد الله من يزال يذكر، وعند ذكره يدعى له ويشكر، فيحيا اسمه بعد موته، ويبقى ذكره بعد دفنه، وهؤلاء ما بين نبي ورسول، وعالم ذي عمل وعلم مبذول، وولي صالح متبع للرسول صلى الله عليه وسلم. فما أن يذكر أحدهم حتى يقال: صلى الله عليه وسلم، أو رضي الله عنه، أو رحمه الله. ودونك الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام، من أولهم وهو آدم أبو البشر وحتى آخرهم خير البشر محمدٍ صلى الله عليه وسلم، والذي مرَّ على موته ما يزيد على أربعمائة وألف من السنين، وما زال ذكره صلى الله عليه وسلم يملأ الأسماع، وتلهج عليه الألسنة بالصلاة والسلام، كلما ذكر اسمه وكتب، وكذلك الحال مع سائر إخوانه من النبيين والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم، وكذا الشأن مع صحابته الغر الميامين أبي بكر الصديق، وعمر الفاروق، وعثمان ذي النورين، وعلي أبي الحسنين وسائر الصحابة رضي الله عنهم جميعا، وكذا من تبعهم بإحسان من السلف الصالحين كأويس القرني، وسعيد بن المسيب، والشعبي والزهري والسفيانين، والأئمة الأربعة وغيرهم رحمة الله عليهم أجمعين.

فإلى طالبي الآخرة، وراغبي الحياة الأبدية السرمدية، إلى الساعين في مرضات رب العالمين، الراغبين في جنات النعيم، يقول الله رب العالمين: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} (يونس: 57/58). يقول تعالى مرغبًا للخلق في الإقبال على كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} أي: تعظكم، وتنذركم عن الأعمال الموجبة لسخط الله، المقتضية لعقابه، وتحذركم عنها ببيان آثارها ومفاسدها. {وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُور} وهو هذا القرآن، شفاء لما في الصدور من أمراض الشهوات الصادة عن الانقياد للشرع، وأمراض الشبهات القادحة في العلم اليقيني، فإن ما فيه من المواعظ والزواجر، والترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، مما يوجب للعبد الرغبة والرهبة. {وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} فالهدى هو العلم بالحق والعمل به، والرحمة هي ما يحصل من الخير والإحسان، والثواب العاجل والآجل، لمن اهتدى به. فالهدى أجل الوسائل، والرحمة أكمل المقاصد والرغائب، ولكن لا يهتدي به، ولا يكون رحمة إلا في حق المؤمنين. وإذا حصل الهدى، وحلت الرحمة الناشئة عنه، حصلت السعادة والفلاح، والربح والنجاح، والفرح والسرور، والغبطة والحبور، ولذلك أمر تعالى بالفرح بذلك فقال: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ} الذي هو القرآن، الذي هو أعظم نعمة ومنة، وفضل تفضل الله به على عباده {وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} من متاع الدنيا الزائل، ولذاتها الفانية

فالفرح كل الفرح يكون بتحمل كتاب الله وحفظه وتدبره وفهم معانيه، والعمل بما فيه، بل إن ذلك دلالة على الخيرية، وعلامة على الأفضلية، كما قال خير البرية صلى الله عليه وسلم، فقد أخرج البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ". وفي رواية: "إِنَّ أَفْضَلَكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ". قَالَ: وَأَقْرَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي إِمْرَةِ عُثْمَانَ حَتَّى كَانَ الْحَجَّاجُ، قَالَ: وَذَاكَ الَّذِي أَقْعَدَنِي مَقْعَدِي هَذَا. يعني طلبا لذلك الفضل، ورغبة في ذالكم الأجر ظل رحمه الله يقرئ الناس ويعلمهم كتاب الله جل وعلا من خلافة الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، إلى زمان الحجاج بن يوسف الثقفي، فهل تدري كم مضى عليه من السنين وهو يعلم الناس كتاب الله رب العالمين؟ قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: (بَيْنَ أَوَّل خِلَافَة عُثْمَان وَآخِر وِلَايَة الْحَجَّاج اِثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ سَنَة إِلَّا ثَلَاثَة أَشْهُر، وَبَيْن آخِر خِلَافَة عُثْمَان وَأَوَّل وِلَايَة الْحَجَّاج الْعِرَاق ثَمَانٍ وَثَلَاثُونَ سَنَة، قال: وَلَمْ أَقِف عَلَى تَعْيِين اِبْتِدَاء إِقْرَاء أَبِي عَبْد الرَّحْمَن وَآخِره، فَاللَّه أَعْلَم بِمِقْدَارِ ذَلِكَ، وَيُعْرَف مِنْ الَّذِي ذَكَرْته أَقْصَى الْمُدَّة وَأَدْنَاهَا) فعلى أقل تقدير، ظل رحمه الله يعلم الناس القرآن ثمان وثلاثين سنة. ثم قال رحمه الله: (الْقُرْآن أَشْرَف الْعُلُوم، فَيَكُون مَنْ تَعَلَّمَهُ وَعَلَّمَهُ لِغَيْرِهِ أَشْرَف مِمَّنْ تَعَلَّمَ غَيْر الْقُرْآن وَإِنْ عَلَّمَهُ. وَلَا شَكّ أَنَّ الْجَامِع بَيْن تَعَلُّم الْقُرْآن وَتَعْلِيمه مُكَمِّل لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ، جَامِع بَيْن النَّفْع الْقَاصِر وَالنَّفْع الْمُتَعَدِّي وَلِهَذَا كَانَ أَفْضَل، وَهُوَ مِنْ جُمْلَة مَنْ عَنَى سُبْحَانه وَتَعَالَى بِقَوْلِهِ: {وَمَنْ أَحْسَن قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّه وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ} وَالدُّعَاء إِلَى اللَّه يَقَع بِأُمُورٍ شَتَّى مِنْ جُمْلَتهَا تَعْلِيم الْقُرْآن وَهُوَ أَشْرَف الْجَمِيع

وأخرج مسلم في صحيحه عن عمر رضي الله عنه قال: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ". ولذكر عمر رضي الله عنه هذا الحديث قصة، فإن نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ لَقِيَ عُمَرَ بِعُسْفَانَ، وَكَانَ عُمَرُ يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى مَكَّةَ، فَقَالَ: مَنْ اسْتَعْمَلْتَ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي؟ فَقَالَ: ابْنَ أَبْزَى. قَالَ: وَمَنْ ابْنُ أَبْزَى؟ قَالَ: مَوْلًى مِنْ مَوَالِينَا. قَالَ: فَاسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى؟ قَالَ: إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِنَّهُ عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ، ثم ساق الحديث: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ" فهذا هو الفرح الحق الحقيق، {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}.

وعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَهْلِينَ مِنْ النَّاسِ" قَالَ: قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "أَهْلُ الْقُرْآنِ هُمْ أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ" رواه أحمد، وابن ماجه، وغيرهما، وصححه الألباني، رحمهم الله جميعا. فلو لم يكن للقرآن ثوابًا غير أن حامله يكون من أهل الله لكفى بذلك شرفا وفخرا وفرحا، {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}.

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ اقْرَأْ وَارْقَ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا". رواه أحمد، والترمذي وأبو داود وغيرهم، وحسنه الألباني رحمة الله عليهم جميعا.

وأخرج الترمذي والحاكم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يَجِيءُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ: يَا رَبِّ حَلِّهِ! فَيُلْبَسُ تَاجَ الْكَرَامَةِ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ زِدْهُ، فَيُلْبَسُ حُلَّةَ الْكَرَامَةِ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا رَبِّ ارْضَ عَنْهُ فَيَرْضَى عَنْهُ، فَيُقَالُ لَهُ: اقْرَأْ وَارْقَ، وَيُزَادُ بِكُلِّ آيَةٍ حَسَنَةً". والحديث حسنه الألباني. وقال العلماء: إن المراد بقوله: "صاحب القرآن" حافظه عن ظهر قلب، على حد قوله صلى الله عليه وسلم: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله . . أي أحفظهم، فالتفاضل في درجات الجنة إنما هو على حسب الحفظ في الدنيا، وليس على حسب قراءته يومئذ واستكثاره منها كما توهم بعضهم، ففيه فضيلة ظاهرة لحافظ القرآن، لكن بشرط أن يكون حفظه لوجه الله تبارك وتعالى، وليس للدنيا والدرهم والدينار

فإلى من يبحث عن النعيم السرمدي، والفرح الأبدي، إلى كل من يرجو أن يرضى عنه ربه كونوا من أهل القرآن. فاللهم حملنا وأهلينا وأبناءنا وبناتنا كتابك المجيد، وافتح لنا في حفظه وفهمه وتدبره والعمل به فتحا مباركا، واجعلنا من أهلك أهل القرآن، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله صحبه وسلم.

الخطبة الثانية:

المقدمة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ....

أما بعد: فاحرص على أن تتعلم القرآن الكريم، وتعلمه أولادك، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصا على تعليم أصحابه كتاب الله تعالى. فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا الْقُرْآنَ، فَإِذَا مَرَّ بِسُجُودِ الْقُرْآنِ سَجَدَ وَسَجَدْنَا مَعَهُ). رواه الإمام أحمد، ومسلم بنحوه.

ولاشتهار هذا الأمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صار أصلاً يقاس عليه غيره، كما في حديث جابر رضي الله عنه عند البخاري في صلاة الاستخارة: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ ...) وكما في حديث ابن عابس رضي الله عنهما عند مسلم، قال: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَلِّمُنَا التَّشَهُّدَ كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنْ الْقُرْآنِ).

فإذا طرأ ما يمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم من مباشرة ذلك بنفسه، وكَّل بعض أصحابه للقيام بهذه المهمة، كما عند أحمد في المسند عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشْغَلُ، فَإِذَا قَدِمَ رَجُلٌ مُهَاجِرٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَفَعَهُ إِلَى رَجُلٍ مِنَّا يُعَلِّمُهُ الْقُرْآنَ ...).

بل كان صلى الله عليه وسلم يرسل أصحابه إلى البلاد والعباد ليعلموا الناس القرآن، فعَنْ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: (أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَجَعَلَا يُقْرِئَانِنَا الْقُرْآنَ ...) رواه البخاري. وعَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه: (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا وَأَبَا مُوسَى إِلَى الْيَمَنِ، فَأَمَرَهُمَا أَنْ يُعَلِّمَا النَّاسَ الْقُرْآنَ) رواه أحمد.

وعن الحميدي قال: سألت سفيان الثوري عن الرجل يغزو أحب إليك أو يقرأ القرآن؟ فقال: يقرا القرآن، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" والمقصود بالغزو هنا هو جهاد التطوع، لا الجهاد الواجب.

وقال ابن خلدون في مقدمته: اعلم أن تعليم الولدان للقرآن شعار الدين، أخذ به أهل الملة. ودرجوا عليه في جميع أمصارهم، لما يسبق فيه إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده من آيات القرآن وبعض متون الأحاديث، وصار القرآن أصل التعليم الذي ينبني عليه ما يحصل بعد من الملكات...)

وختاما أخي الحبيب، أذكرك بهذين الحديثين، لعل الله تعالى أن يجعل لك فيهما من نصيب، أما الأول: فقد أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُك "اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ، اقْرَءُوا الزَّهْرَاوَيْنِ -الْبَقَرَةَ وَسُورَةَ آلِ عِمْرَانَ- فَإِنَّهُمَا تَأْتِيَانِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ (والغمام: السحاب) أَوْ كَأَنَّهُمَا غَيَايَتَانِ (والغياية: كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه كالسحابة وغيرها، أَوْ كَأَنَّهُمَا فِرْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ (فرقان: قطعتان، من طير صواف: باسطات الأجنحة في الطيران) تُحَاجَّانِ عَنْ أَصْحَابِهِمَا (تدافعان وتجادلان)، اقْرَءُوا سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَإِنَّ أَخْذَهَا بَرَكَةٌ وَتَرْكَهَا حَسْرَةٌ وَلَا تَسْتَطِيعُهَا الْبَطَلَةُ" (أي السحرة)

وأما الثاني: فقد أخرجه أحمد في المسند، والدارمي في سننه، عن عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: " ... وَإِنَّ الْقُرْآنَ يَلْقَى صَاحِبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَنْشَقُّ عَنْهُ قَبْرُهُ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ (المتغير اللونِ والجِسْم لعارضٍ من سفَرٍ أو مَرَض ونحوهما)، فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَعْرِفُنِي؟ فَيَقُولُ: مَا أَعْرِفُكَ؟ فَيَقُولُ لَهُ: هَلْ تَعْرِفُنِي؟ فَيَقُولُ: مَا أَعْرِفُكَ؟ فَيَقُولُ: أَنَا صَاحِبُكَ الْقُرْآنُ الَّذِي أَظْمَأْتُكَ فِي الْهَوَاجِرِ وَأَسْهَرْتُ لَيْلَكَ (لهَجير والهاجِرة: اشتدادُ الحَرِّ نصفَ النهار) وَإِنَّ كُلَّ تَاجِرٍ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَتِهِ، وَإِنَّكَ الْيَوْمَ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ تِجَارَةٍ، فَيُعْطَى الْمُلْكَ بِيَمِينِهِ، وَالْخُلْدَ بِشِمَالِهِ (والخلد: دوام البقاء، وعدم الزوال) وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، وَيُكْسَى وَالِدَاهُ حُلَّتَيْنِ لَا يُقَوَّمُ لَهُمَا أَهْلُ الدُّنْيَا (والحلة: ثوبان من جنس واحد)، فَيَقُولَانِ: بِمَ كُسِينَا هَذِهِ؟ فَيُقَالُ: بِأَخْذِ وَلَدِكُمَا الْقُرْآنَ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ: اقْرَأْ وَاصْعَدْ فِي دَرَجَةِ الْجَنَّةِ وَغُرَفِهَا، فَهُوَ فِي صُعُودٍ مَا دَامَ يَقْرَأُ هَذًّا كَانَ أَوْ تَرْتِيلًا".

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين. وسبحان الله وبحمده، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.