Home الفقه وأصوله أحكام مهمة لعامة الأمة

أحكام مهمة لعامة الأمة

تاريخ إلقاء الخطبة: 17 رجب 1430هـ / 10 يوليو 2009

مكان إلقاء الخطبة: مسجد دار السلام، بودابست، المجر

عنوان الخطبة: أحكام مهمة لعامة الأمة

الخطبة الأولى:

المقدمة: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره .....

أما بعد: فإن التفقه في الدين من أفضل الأعمال, وهو علامة إرادة الله الخير بالعبد. وآية ذلك ودليله قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي أخرجه البخاري ومسلم من حديث معاوية رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ" فالتفقه في الدين من أفضل الأعمال، وذلك لأنه يحصل به العلم النافع الذي يقوم عليه العمل الصالح. قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ} فالهدى هو العلم النافع, ودين الحق هو العمل الصالح.

وقد أمر الله -سبحانه- نبيه -صلى الله عليه وسلم- أن يسأله الزيادة من العلم: قال تعالى: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا} قال الحافظ ابن حجر: "(وهذا واضح الدلالة في فضل العلم; لأن الله تعالى لم يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بطلب الازدياد من شيء; إلا من العلم.

والعلماء هم ورثة الأنبياء كما في الحديث الذي رواه أهل السنن إلا النسائي، وكذا الدارمي وأحمد في المسند ولفظه عنده عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ الْمَدِينَةِ إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ وَهُوَ بِدِمَشْقَ فَقَالَ: مَا أَقْدَمَكَ أَيْ أَخِي؟ قَالَ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُ بِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: أَمَا قَدِمْتَ لِتِجَارَةٍ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: أَمَا قَدِمْتَ لِحَاجَةٍ؟ قَالَ: لَا. قَالَ: مَا قَدِمْتَ إِلَّا فِي طَلَبِ هَذَا الْحَدِيثِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّهُ لَيَسْتَغْفِرُ لِلْعَالِمِ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْمَاءِ، وَفَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، إِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، لَمْ يَرِثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَإِنَّمَا وَرِثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ". والحديث صححه الألباني رحمه الله تعالى.

وقد افترق الناس بالنسبة للعلم والعمل ثلاث فرق:

الفريق الأول: الذين جمعوا بين العلم النافع والعمل الصالح, وهؤلاء قد هداهم الله صراط المنعَم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين, وحسن أولئك رفيقا.

الفريق الثاني: الذين تعلموا العلم النافع ولم يعملوا به, وهؤلاء هم المغضوب عليهم من اليهود ومن نحا نحوهم.

الفريق الثالث: الذين يعملون بلا علم, وهؤلاء هم أهل الضلال من النصارى ومن نحا نحوهم. ويشمل هذه الفرقَ الثلاث قوله تعالى في سورة الفاتحة التي نقرؤها في كل ركعة من صلواتنا: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} فالمغضوب عليهم هم العلماء الذين لم يعملوا بعلمهم, والضالون العاملون بلا علم. فالأول: صفة اليهود. والثاني: صفة النصارى. وكثير من الناس اليوم يتشبه بالأمة الغضبية فيعلم ولا يعمل، أو يتشبه بالأمة الضالة فيعمل بلا علم، وقليل من يعصمه الله تعالى، فيوفقه إلى العلم ثم إلى العمل وفقا لذلك العلم، فيعلم ثم يعمل فيعبد الله تعالى على بصيرة وعلم.

فينبغي على العاقل أن يكون في هذه الحياة في ازدياد من العلم دائما. ولله در القائل:

كلما أدبني الدهـر .... أراني نقص عقلي

وإذا ما ازددت علماً .... زادني علماً بجهلي

وقد دخل ابن حزم العلم وهو على مشارف الثلاثين من عمره، وسبب ذلك أنه دخل المسجد قبل العصر، فجلس ولم يصل، فقال له قائل: قم يا جاهل فصل ركعتين تحية المسجد، ثم دخل مرة بعد صلاة العصر، وقبل المغرب، وهو وقت كراهة كما هو معلوم، فراح ليصلي تحية المسجد، فقال له قائل: اجلس أيهال الجاهل، فلا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، قال: فعزت علي نفسي أن توصف بجهل مرتين.

نعم: على المر أن يسعى في تحصيل العلم النافع، حتى يعبد ربه تعالى على بصيرة. ولكن لما قصرت الهمم، وكثرت الأشغال، وزهد الناس في العلم الواجب عليهم، لا في علم ما لا يجب، لما كان ذلك كذلك، وجد المرء نفسه مضطرا إلى جعل الخطبة أحيانا للتعليم تعليم أحكام العبادات. فما لا يدرك كله، لا يترك كله.

ومن تلك الأحكام:

1. تحية المسجد:

قال الحافظ ابن حجر (رحمه الله تعالى) في الفتح: وهي ركعتان يصليهما الداخل إلى المسجد، وهي سنة إجماعا في حق كل من دخل المسجد، لعموم الأخبار. أخرج مسلم وأبي داود وابن ماجه عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فَجَلَسَ فَقَالَ لَهُ: "يَا سُلَيْكُ، قُمْ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا، ثُمَّ قَالَ: إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا".

فإذا دخل المسلم بيتا من بيوت الله تعالى سن له ألا يجلس حتى يصلي ركعتين هما تحية المسجد، والمقصود ألا يجلس حتى يصلي، فإن دخل في وقت صلاة -فريضة كانت أو نافلة- فصلاها سقطت تحية المسجد. يعني لو دخل المسجد والناس يصلون الظهر مثلا، فيدخل في الصلاة معهم وسقطت عنه تحية المسجد، ولا يشرع له أن يقضيها بعد انتهاء الصلاة.

وإذا دخل بين الأذان والإقامة، يعني وقت صلاة السنة القبلية للفجر أو الظهر مثلا، فيشرع في صلاة سنة الظهر، وسقطت عنه تحية المسجد. وخلاصة أحكام تحية المسجد ما يلي:

 

 

 

 

 

 

2. ومن الأحكام أيضا حكم البسملة في الصلاة الجهرية:

السنة عدم الجهر بالبسملة في الصلاة الجهرية، وكل حديث ورد في الجهر بها ضعيف لا تقوم به الحجة، والثابت الصحيح من الأحاديث في الإسرار وعدم الجهر، ومن ذلك:

حديث الشيخين: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} وفي رواية لمسلم وأحمد: (لَا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ قِرَاءَةٍ وَلَا فِي آخِرِهَا) أي لا يذكرونها جهرا، بل كانوا يسرون بها. وفي رواية أحمد، والنسائي في السنن الكبرى، وابن خزيمة، وابن حبان: (وَكَانُوا لَا يَجْهَرُونَ بـ "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ". وفي رواية أبي نعيم، والطحاوي، وابن خزيمة: عن الحسن عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان «يسر بـ ( بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة وأبو بكر وعمر» " قال الزيلعي في نصب الراية: ورجال هذه الروايات كلهم ثقات.

الخطبة الثانية:

المقدمة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ....

3. ومن الأحكام المهمة أيضا الطمأنينة في الصلاة:

فمما يجب الالتفات إليه، الطمأنينة في الصلاة، وبخاصة في الركوع والسجود، وهي ركن من أركان الصلاة. والركن لغة: هو جانب الشيء الأقوى، وعند الأصوليين: هو جزء من ماهية الشيء وحقيقته، ويتوقف عليه وجود الشيء وجودا شرعيا. فما دامت الطمأنينة ركن في الصلاة، فتركها يبطل الصلاة، ويفسدها. فالذي لا يطمئن في صلاته، لا تصح منه ولا تجزئه.

روى الطبراني في الصغير بسند رواته ثقات عن بلال رضي الله عنه أنه أبصر رجلا يصلي لا يتم الركوع ولا السجود، فقال: "لو مات هذا لمات على غير ملة محمد صلى الله عليه وسلم". وأخرج الحاكم في مستدركه وأحمد في مسنده واللفظ له عن أبي قتادة رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَسْوَأُ النَّاسِ سَرِقَةً الَّذِي يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ يَسْرِقُ مِنْ صَلَاتِهِ؟ قَالَ: لَا يُتِمُّ رُكُوعَهَا وَلَا سُجُودَهَا أَوْ قَالَ: لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ". والحديث رواه أحمد أيضا والطيالسي وأبو يعلى في مسنده عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، وصححه الألباني.

وأخرج ابن ماجه وابن أبي شيبة وأحمد واللفظ له عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَلِيٍّ أَنَّ أَبَاهُ عَلِيَّ بْنَ شَيْبَانَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ خَرَجَ وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: فَصَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَحَ بِمُؤْخِرِ عَيْنَيْهِ إِلَى رَجُلٍ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ إِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ. قَالَ: وَرَأَى رَجُلًا يُصَلِّي خَلْفَ الصَّفِّ، فَوَقَفَ حَتَّى انْصَرَفَ الرَّجُلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اسْتَقْبِلْ صَلَاتَكَ فَلَا صَلَاةَ لِرَجُلٍ فَرْدٍ خَلْفَ الصَّفِّ". وصححه الألباني. وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى. وأخرج أهل السنن وأحمد واللفظ لأبي داود عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ الرَّجُلِ حَتَّى يُقِيمَ ظَهْرَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ". وصححه الألباني. وأخرج البيهقي في السنن الكبرى، وأبو يعلى في مسنده، والطبراني في المعجم الكبير واللفظ له، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَن ّرَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلا لا يُتِمَّ رُكُوعَهُ يَنْقُرُ فِي سُجُودِهِ وَهُوَ يُصَلِّي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ مَاتَ هَذَا عَلَى حَالِهِ هَذِهِ مَاتَ عَلَى غَيْرِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَثَلُ الَّذِي لا يُتِمُّ رُكُوعَهُ ويَنْقُرُ فِي سُجُودِهِ، مَثَلُ الْجَائِعِ يَأْكُلُ التَّمْرَةَ وَالتَّمْرَتَانِ لا يُغْنِيَانِ عَنْهُ شَيْئًا". والحديث حسنه الألباني رحمه الله تعالى.

4. ومن الأحكام أيضا: وضع اليدين في الصلاة حال القراءة:

والسنة وضعهما على الصدر، فعن وائل بن حجر قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ووضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره" رواه أبو داود وابن خزيمة واللفظ له، وصححه الألباني بمجموع طرقه في صحيح ابن خزيمة. ولا يجوز وضع اليد على الخاصرة في الصلاة، فعن أبي هرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا" رواه الشيخان وكذا الترمذي والنسائي وغيرهم وقال الترمذي: (وَالِاخْتِصَارُ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى خَاصِرَتِهِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ يَضَعَ يَدَيْهِ جَمِيعًا عَلَى خَاصِرَتَيْهِ).

5. ومن الأحكام المهمة أيضا ما يتعلق بالدين:

وقد أمر الله تبارك وتعالى بكتابته، فقال سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب العدل ....} ورهب صلى الله عليه وسلم من عدم كتابته، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم: "ثلاثة يدعون الله عز وجل فلا يستجاب لهم: رجل كانت تحته امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، ورجل كان له على رجل مال فلم يشهد عليه، ورجل آتى سفيها ماله، وقال الله تعالى {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم}" رواه الحاكم وصححه الألباني.

فإذا ما أقرضت إنسانا دينا ولم تكتبه وتشهد عليه، ثم جحده فرحت تدعو عليه، لا يستجيب الله عز وجل دعاءك فيه، مع أنه لك ظالم، لأنك قد فرطت في أمر الله جل وعلا، ورغبت عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

ثم ليحذر آخذ الدين كل الحذر من عدم إيفائه، ورده إلى صاحبه، فإن ذلك من كبائر الذنوب، فقد أخرج البيهقي وابن ماجه واللفظ له عن صُهَيْبُ الْخَيْرِ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَيُّمَا رَجُلٍ يَدِينُ دَيْنًا وَهُوَ مُجْمِعٌ أَنْ لَا يُوَفِّيَهُ إِيَّاهُ لَقِيَ اللَّهَ سَارِقًا". وقال الألباني: حسن صحيح. وأخرج مسلم وأحمد وأصحاب السنن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ". وعند مسلم وأحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ".

وعند أحمد والحاكم والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ". قَالَ الحافظ الْعِرَاقِيُّ رحمه الله: (أَيْ أَمْرُهَا مَوْقُوفٌ لَا حُكْمَ لَهَا بِنَجَاةٍ وَلَا هَلَاكٍ حَتَّى يُنْظَرَ هَلْ يُقْضَى مَا عَلَيْهَا مِنْ الدَّيْنِ أَمْ لَا).

وعلى صاحب الدين أن يرفُق بالمدين عند الطلب، وليرأف به عند الأداء، فقد قال خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم: "مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ" رواه مسلم وأحمد من حديث أبي اليسر الطويل. وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَحْتَ ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ". رواه أحمد والترمذي وصححه الألباني. وعن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ: تَجَاوَزُوا عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ". رواه البخاري ومسلم وأحمد والنسائي.

وأخرج الحاكم وابن ماجه وأحمد واللفظ له عنِ بُرَيْدَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلِهِ صَدَقَةٌ" قَالَ: ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: "مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ" قُلْتُ: سَمِعْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَقُولُ: "مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلِهِ صَدَقَةٌ" ثُمَّ سَمِعْتُكَ تَقُولُ: "مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ" قَالَ: "لَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ صَدَقَةٌ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الدَّيْنُ، فَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ فَأَنْظَرَهُ فَلَهُ بِكُلِّ يَوْمٍ مِثْلَيْهِ صَدَقَةٌ".

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين. وسبحان الله وبحمده، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.