Home الفقه وأصوله فضل المشي إلى المساجد

فضل المشي إلى المساجد

تاريخ الخطبة: الجمعة 13 شوال 1430هـ / 02 أكتوبر 2010م

مكان إلقاء الخطبة: مسجد دار السلام– بودابست- المجر

عنوان الخطبة: فضل المشي إلى المساجد

الخطبة الأولى:

المقدمة: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره .....

أما بعد: فقد أخرج مسلم في صحيحه وكذا الترمذي وابن ماجه والنسائي وغيرهم بألفاظ متقاربة، وهذا لفظ مسلم رحمه الله عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَآَنِ أَوْ تَمْلَأُ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالصَّلَاةُ نُورٌ وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَائعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا".

قال النووي رحمه الله: (الطُّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ) قِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْأَجْرَ فِيهِ يَنْتَهِي تَضْعِيفُهُ إِلَى نِصْفِ أَجْرِ الْإِيمَانِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الْإِيمَانَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ مِنْ الْخَطَايَا وَكَذَلِكَ الْوُضُوءُ إِلَّا أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَصِحُّ إِلَّا مَعَ الْإِيمَانِ فَصَارَ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى الْإِيمَانِ فِي مَعْنَى الشَّطْرِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْإِيمَانِ هُنَا الصَّلَاةُ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ} وَالطَّهَارَةُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ، فَصَارَتْ كَالشَّطْرِ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ فِي الشَّطْرِ أَنْ يَكُونَ نِصْفًا حَقِيقِيًّا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْإِيمَانَ تَصْدِيقٌ بِالْقَلْبِ وَانْقِيَادٌ بِالظَّاهِرِ، وَهُمَا شَطْرَانِ لِلْإِيمَانِ، وَالطَّهَارَةُ مُتَضَمِّنَةٌ الصَّلَاةَ فَهِيَ اِنْقِيَادٌ فِي الظَّاهِرِ.

(وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ الْمِيزَانَ) مَعْنَاهُ عِظَمُ أَجْرِهَا وَأَنَّهُ يَمْلَأُ الْمِيزَانِ وَقَدْ تَظَاهَرَتْ نُصُوصُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ عَلَى وَزْنِ الْإِيمَانِ وَثِقَلِ الْمَوَازِينِ وَخِفَّتِهَا. (تَمْلَآنِ أَوْ تَمْلَأُ) فَالْأَوَّلُ أَيْ تَمْلَآنِ ظَاهِرٌ وَالثَّانِي فِيهَا ضَمِيرُ الْجُمْلَةِ أَيْ الْجُمْلَةِ الشَّامِلَةِ لَهُمَا وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْإِفْرَادُ بِتَقْدِيرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا (مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ ثَوَابُهُمَا جِسْمًا لَمَلَآ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَسَبَبُ عِظَمِ فَضْلِهِمَا مَا اِشْتَمَلَتَا عَلَيْهِ مِنْ التَّنْزِيهِ لِلَّهِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالتَّفْوِيضِ وَالِافْتِقَارِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِقَوْلِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ.

(وَالصَّلَاةُ نُورٌ) مَعْنَاهُ أَنَّهَا تَمْنَعُ مِنْ الْمَعَاصِي وَتَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ، وَتَهْدِي إِلَى الصَّوَابِ، كَمَا أَنَّ النُّورَ يُسْتَضَاءُ بِهِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَكُونُ أَجْرُهَا نُورًا لِصَاحِبِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقِيلَ لِأَنَّهَا سَبَبُ لِإِشْرَاقِ الوجه وَانْشِرَاحِ الْقَلْبِ لِفَرَاغِ الْقَلْبِ فِيهَا وَإِقْبَالِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا تَكُونُ نُورًا ظَاهِرًا عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَكُونُ فِي الدُّنْيَا أَيْضًا عَلَى وَجْهِهِ الْبَهَاءُ بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يُصَلِّ.

(وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ) مَعْنَاهُ يُفْزَعُ إِلَيْهَا كَمَا يُفْزَعُ إِلَى الْبَرَاهِينِ كَأَنَّ الْعَبْدَ إِذَا سُئِلَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ مَصْرِفِ مَالِهِ كَانَتْ صَدَقَاتُهُ بَرَاهِينُ فِي جَوَابِ هَذَا السُّؤَالِ فَيَقُولُ تَصَدَّقْت بِهِ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ الصَّدَقَةُ حُجَّةٌ عَلَى إِيمَانِ فَاعِلِهَا فَإِنَّ الْمُنَافِقَ يَمْتَنِعُ مِنْهَا لِكَوْنِهِ لَا يَعْتَقِدُهَا فَمَنْ تَصَدَّقَ اِسْتَدَلَّ بِصَدَقَتِهِ عَلَى صِدْقِ إِيمَانِهِ.

(وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ) مَعْنَاهُ الصَّبْرُ الْمَحْبُوبُ فِي الشَّرْعِ، وَهُوَ: الصَّبْرُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالصَّبْرُ عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَالصَّبْرُ أَيْضًا عَلَى النَّائِبَاتِ وَأَنْوَاعِ الْمَكَارِهِ فِي الدُّنْيَا. وَالْمُرَادُ أَنَّ الصَّبْرَ الْمَحْمُودَ لَا يَزَالُ صَاحِبُهُ مُسْتَضِيئًا مُهْتَدِيًا مُسْتَمِرًّا عَلَى الصَّوَابِ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْخَوَّاصُ: الصَّبْرُ هُوَ الثَّبَاتُ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وقيل: الصبر هو الوقوف مع البلاء بحسن الأدب. وقيل: الصبر أن لا يعترض على المقدور.

(وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَك أَوْ عَلَيْك) مَعْنَاهُ ظَاهِرٌ أَيْ تَنْتَفِعُ بِهِ إِنْ تَلَوْته وَعَمِلْت بِهِ وَإِلَّا فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَيْك.

(كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو) أَيْ يُصْبِحُ (فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتَقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا) أَيْ كُلُّ إِنْسَانٍ يَسْعَى بِنَفْسِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ يَبِيعُهَا لِلَّهِ تَعَالَى بِطَاعَتِهِ فَيُعْتِقُهَا مِنْ الْعَذَابِ، كما قال تعالى: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} وَمِنْهُمْ مَنْ يَبِيعُهَا لِلشَّيْطَانِ وَالْهَوَى بِاتِّبَاعِهِمَا فَيُوبِقُهَا أَيْ يُهْلِكُهَا، كما قال سبحانه: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ}.

فكل إنسان يغدو، وكل واحد يسعى، والعاقل العاقل من سعى في فلاح نفسه، وجدَّ في نجاتها وفوزها، وبذل السعة والجهد في سعادتها وفرحها، واغتنم الثواني واللحظات، وقضى الأيام والليالي في تحصيل مرضات رب البريات جل وعلا. فخطواتنا محسوبة، وأنفاسنا معدودة، وأعمالنا مسجلة مكتوبة.

أخرج البيهقي في السنن الكبرى والطبراني في الكبير وغيرهما عَنْ مُعَاذِ بن جَبَلٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"لا تَزُولُ قَدِمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ: عَنْ عُمُرُهِ فِيمَا أَفْنَاهُ؟ وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَا أَبْلاهُ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَا أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ عَلِمهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ؟" وحسنه الألباني.

فكلنا سيسأل عن هذه الأربع في يوم لا ينفع فيه الغش، ولا يغني فيه جاه ولا سلطان، ولا واسطة هنالك، وإنما عملك وفقط. سيسأل الواحد منا عن أيامه ولياليه، ولحظاته وساعاته مرتين: مرة حين يسأل عن شبابه بخاصة، ومرة حين يسأل عن عمره بعامة. فما دمنا غادين غادين، وما دمنا على ربنا معرضين محاسبين، فليكن رواحنا في طاعة الله، ولتكن غدوتنا في مرضاة الله.

ما دام كل واحد يغدو، والكل إما ساع في فكاك نفسه، وإما ماض في إهلاكها، ما دام ذلك كذلك، فلنكن من أصحاب العقول، وأرباب النهى، ولنسع في طاعة ربنا، وليكن سعينا لنا لا علينا، ولتكن خطواتنا في ميزاننا. كلنا يمشي، وكلنا يسعى، فهل فكرنا في سعينا إلى أين؟ وهل فكرنا في خطواتنا إلى أين؟ يا عبد الله ما دمت ساع ساع، وما دمت غاد غاد، فليكن سعيك في طاعة ربك، وليكن من سعيك خطوات إلى المسجد. سنسأل عن كل خطوة نخطوها، وسنحاسب على كل مشية نمشيها.

فخذ –رحمني الله وإياك- خذ خطوات تجازى عليها، خذ خطوات تؤجر عليها، خذ مشيات عظيمة الأجر، جليلة القدر. تلك هي خطواتك إلى بيت ربك جل وعلا. إي والله! خطوات تؤجر عليها، لك لا عليك إن أخلصت لله النية، وحسنت منك الطوية، فلك الأجر من رب البرية سبحانه وتعالى.

أخي المسلم: مشيك إلى المسجد يغفر لك ذنوبك. فعن عثمان رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من توضأ فأسبغ الوضوء ثم مشى إلى صلاة مكتوبة فصلاها مع الإمام غفر له ذنبه". رواه ابن خزيمة. وصحيح الألباني في صحيح الترغيب والترهيب.

وخطواتك إلى المسجد واحدة تمحو سيئة، وأخرى يكتب لها به حسنة، ذهابا وإيابا. فعن عَبْد اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ رَاحَ إِلَى مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ فَخَطْوَةٌ تَمْحُو سَيِّئَةً وَخَطْوَةٌ تُكْتَبُ لَهُ حَسَنَةٌ ذَاهِبًا وَرَاجِعًا". قال صاحب الرتغيب رحمه الله: رواه أحمد بإسناد حسن والطبراني وابن حبان في صحيحه، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب.

بل يكتب لك بكل خطوة عشر حسنات، وتكتب من المصلين من خروجك إلى حين عودتك إلى بيتك أو عملك. فعن عُقْبَة بْنَ عَامِرٍ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ" "إِذَا تَطَهَّرَ الرَّجُلُ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ يَرْعَى الصَّلَاةَ كَتَبَ لَهُ كَاتِبَاهُ أَوْ كَاتِبُهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الْمَسْجِدِ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، وَالْقَاعِدُ يَرْعَى الصَّلَاةَ كَالْقَانِتِ وَيُكْتَبُ مِنْ الْمُصَلِّينَ مِنْ حِينِ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِ". رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الكبير والأوسط وغيرهما، وصححه الألباني رحمهم الله جميعا.

خطواتك إلى المسجد واحدة ترفعك درجة وأخرى تحط عنك خطيئة، كما عند الشيخين من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْجَمَاعَةِ تُضَعَّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ ...

خطواتك إلى المسجد لصلاة الجماعة كفارات لك من سالف الخطيئات، وسابق الزلات، كما عند أحمد والترمذي وغيرهما من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَتَانِي اللَّيْلَةَ رَبِّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ قَالَ أَحْسَبُهُ قَالَ فِي الْمَنَامِ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيَّ أَوْ قَالَ فِي نَحْرِي فَعَلِمْتُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ قَالَ يَا مُحَمَّدُ هَلْ تَدْرِي فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فِي الْكَفَّارَاتِ وَالْكَفَّارَاتُ الْمُكْثُ فِي الْمَسَاجِدِ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ وَالْمَشْيُ عَلَى الْأَقْدَامِ إِلَى الْجَمَاعَاتِ وَإِسْبَاغُ الْوُضُوءِ فِي الْمَكَارِهِ وَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَاشَ بِخَيْرٍ وَمَاتَ بِخَيْرٍ وَكَانَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ..." والحديث صححه الألباني.

وعند مسلم ومالك والترمذي وغيرهم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟" قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: "إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ". وفي رواية لابن ماجه: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "كَفَّارَاتُ الْخَطَايَا إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى الْمَكَارِهِ، وَإِعْمَالُ الْأَقْدَامِ إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ". وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إسباغ الوضوء في المكاره، وإعمال الأقدام إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة تغسل الخطايا غسلا". رواه أبو يعلى والبزار بإسناد صحيح.

فيا صاحب الذنب الثقيل والإثم الكبير اغسل خطاياك بسعيك إلى بيت ربك ومولاك. خطواتك إلى المساجد سبب في تكفير خطيئاتك، فكثر من خطواتك إلى بيت ربك. وكلما كثرت خطواتك وبعدت عن المسجد، كلما زاد أجرك وعظم جزاؤك عند ربك جل وعلا، فعند الشيخين من حديث أبي موسى رضي الله عنه قال: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْظَمُ النَّاسِ أَجْرًا فِي الصَّلَاةِ أَبْعَدُهُمْ فَأَبْعَدُهُمْ مَمْشًى وَالَّذِي يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الْإِمَامِ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنْ الَّذِي يُصَلِّي ثُمَّ يَنَامُ". وعند أحمد والترمذي وأبي داود وغيرهما من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "الْأَبْعَدُ فَالْأَبْعَدُ مِنْ الْمَسْجِدِ أَعْظَمُ أَجْرًا".

نسأل الله جلت قدرته وتقدست أسماؤه أن يرزقنا الفقه في الدين، والسعي في مرضات رب العالمين، وصلى الله وسلم على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين ...

الخطبة الثانية:

المقدمة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ....

أما بعد: فإن معايير الناس تختلف، ومقاييس الأفراد تتباين، ونظرة كل واحد تكون بحسب ما يعتقد ويؤمن. فأهل الملة الواحدة والدين الواحد بينهم تفاوت وتباين. بل أهل البيت الواحد الذين يجمعهم محل واحد، وقد يلتحفون بلحاف واحد، ويقتسمون أو يشتركون في طعام وشراب واحد نظرتهم للحياتين متباينة، ورؤيتهم للدارين مختلفة، وعتاد واستعداد كل واحد لما سيرحل عنه، وما سيرحل إليه مختلف متباين. فشتان شتان بين نظرة المؤمن للحياة ونظرة الكافر، وشتان شتان بين مقياس وحساب المؤمن التقي النقي، ومعيار ورؤية المسلم العاصي اللاهي.

أخرج مسلم في صحيحه وغيره في غيره عن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ: أَرَادَ بَنُو سَلِمَةَ أَنْ يَتَحَوَّلُوا إِلَى قُرْبِ الْمَسْجِدِ قَالَ: وَالْبِقَاعُ خَالِيَةٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: "يَا بَنِي سَلِمَةَ دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثَارُكُمْ" فَقَالُوا: (مَا كَانَ يَسُرُّنَا أَنَّا كُنَّا تَحَوَّلْنَا).

وعند مسلم وأبي داود وغيرهما عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَجُلٌ لَا أَعْلَمُ رَجُلًا أَبْعَدَ مِنْ الْمَسْجِدِ مِنْهُ، وَكَانَ لَا تُخْطِئُهُ صَلَاةٌ. قَالَ: فَقِيلَ لَهُ أَوْ قُلْتُ لَهُ: لَوْ اشْتَرَيْتَ حِمَارًا تَرْكَبُهُ فِي الظَّلْمَاءِ وَفِي الرَّمْضَاءِ؟ قَالَ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ مَنْزِلِي إِلَى جَنْبِ الْمَسْجِدِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ يُكْتَبَ لِي مَمْشَايَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَرُجُوعِي إِذَا رَجَعْتُ إِلَى أَهْلِي. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قَدْ جَمَعَ اللَّهُ لَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ".

فانظر إلى هذا الصحابي الجليل، وتأمل في حاله، وفكر في رده ومقاله تجد صدق ما أخبرتك به. نظرات الناس للحياة الدنيا وللآخرة مختلفة، ومقاييسهم متباينة غير مؤتلفة، غير أن المؤمن حقا وصدقا يبني نظراته على ما يعتقده، أو هكذا ينبغي أن يكون، ويجعل الآخرة معياره ومقياسه، أو هكذا ينبغي أن يكون.

رواحك وغدوتك إلى المسجد سبب في دخول الجنة، ونيل المنازل العالية، والنزل الغالية، كما في الحديث المتفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: "مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ أَوْ رَاحَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ نُزُلًا كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ". نزل في الجنة أعدها لك الرحمن بيده كلما رحت وغدوت إلى المسجد.

بل الخارج من بيته إلى بيت ربه هو ضامن على الله تعالى: أن يرده سالما غانما، أو يتوفاه فيدخله الجنة، كما في الحديث الصحيح الذي أخرجه أبو داود وابن حبان عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "ثَلَاثَةٌ كُلُّهُمْ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ رَجُلٌ خَرَجَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ وَرَجُلٌ رَاحَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرُدَّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ وَرَجُلٌ دَخَلَ بَيْتَهُ بِسَلَامٍ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ

ومن أتى المسجد في ظلمة الليل، آتاه الله نورا يوم القيامة، فعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"مَنْ مَشَى فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ إِلَى الْمَسَاجِدِ آتَاهُ اللَّهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ". أخرجه الطبراني في الكبير، وابن حبان في صححه، وقال الألباني في صحيح التغريب والترهيب: صحيح لغيره. وقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "بَشِّرْ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رواه أبو داود والترمذي عن بريدة، ورواه ابن ماجه والحاكم عن أنس وسهل بن سعد رضي الله عنهم جميعا، والحديث صححه الألباني رحمه الله تعالى.

"بَشِّرْ الْمَشَّائِينَ فِي الظُّلَمِ إِلَى الْمَسَاجِدِ بِالنُّورِ التَّامِّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ"يوم يجازى الناس بظلمات أعمالهم، وقبيح فعالهم، تجد هنالك أقواما يسطع النور من وجوهم، ويأتي من قبلهم، أولئك قوم مشوا في الظلم إلى بيوت ربهم، قوم صلوا الفجر والعشاء في المسجد، وخرجوا في الظلام، فكان الجزاء من جنس العمل، فكما مشوا في الظلام إلى طاعة الرحمن، يؤتيهم الله جل في علاه نورا يسطع يوم لقياه.

والذي يأتي المسجد هو زائر الله جل وعلا، كما عند الطبراني في الكبير عَنْ سَلْمَانَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ:"مَنْ تَوَضَّأَ فِي بَيْتِهِ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ، فَهُوَ زَائِرُ اللَّهِ، وَحَقٌّ عَلَى الْمَزُورِ أَنْ يُكْرِمَ الزَّائِرَ". رواه الطبراني في الكبير بإسنادين أحدهما جيد، وحسنه الألباني في الترغيب.

والذي يخرج من بيته أو عمله متطهرا ذاهبا إلى المسجد لصلاة فريضة فأجره كأجر الحاج المحرم، كما في حديث أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه عند أبي داود والطبراني أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَنْ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ مُتَطَهِّرًا إِلَى صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْحَاجِّ الْمُحْرِمِ وَمَنْ خَرَجَ إِلَى تَسْبِيحِ الضُّحَى لَا يَنْصِبُهُ إِلَّا إِيَّاهُ فَأَجْرُهُ كَأَجْرِ الْمُعْتَمِرِ وَصَلَاةٌ عَلَى أَثَرِ صَلَاةٍ لَا لَغْوَ بَيْنَهُمَا كِتَابٌ فِي عِلِّيِّينَ". والحديث حسنه في سنن أبي داود وغيرها.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين. وسبحان الله وبحمده، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.