Home الفقه وأصوله وفـــــد الله

وفـــــد الله

تاريخ إلقاء الخطبة: 3 ذي الحجة 1430هـ / 20 نوفمبر 2009

 

مكان إلقاء الخطبة: مسجد دار السلام- بودابست- المجر

عنوان الخطبة: وفـــــد الله

الخطبة الأولى:

المقدمة: إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره .....

أما بعد: ففي مثل هذه الأيام من كل عام، تدمع عيون فرحا، وتبكي أخرى طرحا، وتفرح قلوب، وتطير أرواح، وتهوي أفئدة لبيت الله الحرام. تدمع عيون المحبين من حجاج ومعتمرين، وتبكي عيون العاجزين والمحجوبين والمحرومين، وتفرح قلوب الملبين، وتطير أرواح المهللين، وتهوي أفئدة المؤمنين إلى بيت الله رب العالمين.

وهي دعوة إبراهيم الخيل -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم- حين دعا ربه فقال: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} وقد استجاب الله -جل وعلا- دعاء خليله إبراهيم -عليه السلام- وافترض حج بيته الحرام الذي أسكن به إبراهيم بعض ذريته، وجعل فيه سرا عجيبا جاذبا للقلوب، فهي تحجه عاما من بعد عام، ولن تقضي منه وطرا على الدوام، بل كلما أكثر العبد التردد عليه ازداد شوقه إليه، وعظم حنينه إليه، وكثر ولعه به وتوقه إليه.

فهذا هو السر إذن، السر في تلك الأفئدة التي تهوي إلى بيت الله الحرام، إنها دعوة خليل الرحمن: {فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ} قال ابن عباس رضي الله عنهما، ومجاهد، وسعيد بن جبير رحمهما الله: (لو قال: أفئدة الناس) لازدحم عليه فارس والروم واليهود والنصارى والناس كلهم، ولكن قال: {مِنَ النَّاسِ} فاختص به المسلمون). فها هي قلوبهم تهوي إليه، وها هي أرواحهم تقبل عليه.

خرجت أم أيمن بنت علي ـ امرأة أبي علي أحمد بن عطاء الروذباري- خرجت من مصر وقت خروج الحجيج إلى الصحراء، والجِمالُ تمر بها. خرجت والشوق يدفعها، والحزن يقطعها، ومنظر الحجيج يأسرها، وغبار التراب يبعث عبقا لا كمثله المسك، خرجت تنظر إلى أفواج الملبين، وأسراب الموحدين، وهي تبكي -تبكي وهي ترى وفد الرحمن، تبكي وقد عجزت عن السير معهم، تبكي وهي لا تستطيع مرافقتهم، تبكي شوقا إلى البيت الحرام، تبكي طوقا إلى الصفا والمروة والمقام، تبكي وقد حجبت عن منى والمزدلفة، والمشعر الحرام، تبكي وهي تذكر صعيد عرفات، حيث نمرة والصخرات، عرفات حيث تتنزل الرحمات، عرفات حيت تغفر الخطيئات، وتستر العيوب، وتمحى الزلات، عرفات حيث البكاؤون والبكاءات، عرفات حيث المستغفرون والمستغفرات، تبكي وهذه الأماكن تجول بخاطرها، وتبكي وتلك المشاعر تتراءى أمام ناظرها، تبكي بكاء العاجز بل المحروم، تبكي بكاء اليتيم اللطيم، تبكي وتقول: (واضعفاه ... واضعفاه!! وتقول: هذه حسرة من انقطع عن البيت، وتلك زفرة من حجب عن لبيك لبيك، فكيف تكون حسرة من انقطع عن ربِّ البيت)

وكيف لا تبكي وهي ترى ذلك الوفد المبارك؟ إنهم وفد الله. أخرج النسائي والحاكم وغيرهما من حديث أبي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "وَفْدُ اللَّهِ ثَلَاثَةٌ: الْغَازِي وَالْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ". وعند ابن ماجه من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: "الْحُجَّاجُ وَالْعُمَّارُ وَفْدُ اللَّهِ، إِنْ دَعَوْهُ أَجَابَهُمْ وَإِنْ اسْتَغْفَرُوهُ غَفَرَ لَهُمْ". وعند ابن ماجه وابن حبان عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ وَفْدُ اللَّهِ دَعَاهُمْ فَأَجَابُوهُ وَسَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ". وصححه الألباني. ورواه البزار عن جابر رضي الله عنه، وهو حسن لغيره. "الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْحَاجُّ وَالْمُعْتَمِرُ وَفْدُ اللَّهِ دَعَاهُمْ فَأَجَابُوهُ وَسَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ". فيا وفد الرحمن أبشر، أبشر باصطفاء الله لك، ووعده بالإجابة، "دَعَاهُمْ فَأَجَابُوهُ وَسَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ".

ومازال وفـد الله يقـصد مكـة إلى أن يـرى البيت العتيق وركناه

يطـوف بـه الجاني فيغفـر ذنبه ويسقط عنه جــرمه وخطـاياه

فمولى الموالي للزيـارة قـد دعا أنقعـد عنها؟!! والمزور هـو الله

نحج لبيت حجه الرسـل قبـلنا لنشهد نفعـا في الكتاب وعـدناه

فيا من أسى يا من عصى لو رأيتنا وأوزارنـا تمحــى ويرحمنـا الله

عباد الله! الحج توحيد لله رب العالمين، واتحاد وترابط وألفة ومحبة بين عباد الله الموحدين. يشرع فيه الحجيج بالتهليل، ويهلون فيه بالتوحيد، يقصدون إلها واحدا، ويرغبون ويرهبون ويرجون ويدعون ربا واحدا، يطوفون ببيت واحد، ويصلون بالبيت خلف إمام واحد، قصدهم واحد، ودعاؤهم ونشيجهم واحد: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريـك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك) ينطق بها العربي والأعجمي، ويلبي الحجر والشجر والمدر مع الملبين.كما عند الترمذي وابن ماجه والحاكم عن سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّي إِلَّا لَبَّى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ حَتَّى تَنْقَطِعَ الْأَرْضُ مِنْ هَاهُنَا وَهَاهُنَا". والحديث صححه الألباني. والسنة أن يرفع الرجال أصواتهم بالتلبية اتباعا لأمر الرسول صلوات الله وسلامه عليه، وتأسيا بالصحابة رضوان الله عليهم، كما عند أهل السنن وغيرهم عَنْ خَلَّادِ بْنِ السَّائِبِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "أَتَانِي جِبْرِيلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي وَمَنْ مَعِي أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالْإِهْلَالِ أَوْ قَالَ بِالتَّلْبِيَةِ".

وقال أبو حازم فيما رواه عنه أبو بكر بن أبي شيبة بسند صحيح: (إن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يرفعون أصواتهم بالتلبية حتى تبح أصواتهم بها بحاً) ولبى ابن عمر فأسمع ما بين جبلين. وعَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سُئِلَ: أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "الْعَجُّ وَالثَّجُّ". رواه الترمذي وابن ماجه وغيرهما، وحسنه الألباني. (العج: رفع الصوت بالتلبية والتهليل، والثج: ذبح الأضاحي والبدن)

الكل يلبي، الكل يعلن التوحيد للعزيز المجيد، الكل يظهر الذل والافتقار، والحاجة والانكسار، ولسان حاله ومقاله:

أمولاي إني عبد ضعيــف أتيـتك أرغب فيمـا لديك

أتيتك أشكو مصاب الذنوب وهل يُشتكى الضـر إلا إليك

فمنَّ بعفوك يا سيـــدي فليـس اعتمادي إلا عليـك

إذا ما وصل الحاج إلى البيت الحرام دخل برجله اليمنى وقال: بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وبسلطانه القديم من الشيطان الرجيم. ويقطع الحاج المتمتع التلبية إذا ما شرع في الطواف، ويضطبع في هذا الطواف فقط، ويطوف بالبيت سبعا، يرمل في الأشواط الثلاثة الأولى (الرمل هو أسرع المشي مع تقارب الخطى وهو الخبب) ويبدأ طوافه بالحجر الأسود، مقبلا إياه قائلا: بسم الله، الله أكبر (والتكبير عند استلام الحجر صح عن ابن عمر موقوفا كما عند البيهقي بسند صحيح) فإن عجز التقبيل، يستلمه بيده ثم يقبل يده، فإن عجز أشار إليه بشيء، كعصا ونحوها وقبلها، وإلا أشار بيده قائلا، بسم الله، الله أكبر، ولا يقبل يده.

ثم يشرع في الطواف ويحذر أن يطوف من داخل حجر إسماعيل فإنه من الكعبة، وله أن يذكر الله تعالى بما شاء من ذكر صحيح ودعاء وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ولا بأس بقراء القرآن، وليس هناك ذكر خاص بكل شوط، أو عند المرور بجزء من الكعبة، اللهم إلا عند استلام الحجر الأسود في كل شوط، يقول: (بسم الله، الله أكبر) وبين الركن اليماني والحجر الأسود يدعو ويقول: (رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) و يسن استلام الركن اليماني أيضا، ولكن بدون تقبيل أو تسمية أو تكبير، فإن لم يستطع استلامه بيده، مضى في طوافه ولا يشير بيده ولا بغيرها، فعند أحمد بسند صحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ مَسْحَ الرُّكْنِ الْيَمَانِي وَالرُّكْنِ الْأَسْوَدِ يَحُطُّ الْخَطَايَا حَطًّا" وصححه الألباني.

فإذا فرغ من السبعة أشواط، أتى المقام، فقرأ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} وغطى كتفه الأيمن، فلا يصلي مضطبعا، ثم يصلى ركعتين خلف المقام إن تيسر، وإلا ففي أي مكان من البيت الحرام، يقرأ في الأولي بعد الفاتحة الكافرون، وفي الثانية الإخلاص. ثم يذهب إلى زمزم فيشرب منها ويصب على رأسه، ثم يرجع إلى الركن فيستلمه إن استطاع وإلا فلا.

ثم يخرج من باب الصفا، فإذا دنا من جبل الصفا قرأ: {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ} (أبدأ -وفي رواية: نبدأ- بما بدأ الله به)، ثم يرقى بالصفا حتى يرى البيت، فيستقبل القبلة ويوحد الله، ويكبره ثلاثا، ويقول: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ). ثم يدعو بين ذلك، يفعله ثلاث مرات. ثم ينزل ماشيا إلى المروة، فإذا بلغ العلم الأخضر سعى سعيا شديدا إن استطاع، إلى أن يصل العلم الثاني، ثم يمشي إلى المروة، ويدعو ويذكر الله تعالى في سعيه بما شاء، وإن دعا بقوله: (رب اغفر وارحم إنك أنت الأعز الأكرم) فلا بأس لثبوته عن جمع من السلف. فإذا وصل المروة فقد أتم شوطا، ويفعل على المروة كما فعل على الصفا، غير أنه لا يقرأ الآية. ثم ينزل إلى الصفا يمشي موضع مشيه، ويسعى موضع سعيه، يفعل ذلك سبع مرات بادئا بالصفا مختتما بالمرة. فإذا تم سعيه، قصر شعر رأسه، وأصبح حلالا، يباح له الطيب وسائر محظورات الإحرام ما عدا صيد الحرم وقطع شجره، فهما حرام على الحاج وغيره. والله الموفق.

الخطبة الثانية:

المقدمة: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله ....

أما بعد: فمن فاته في هذا العام القيام بعرفة فليقم لله بحقه الذي عرفه، ومن عجز عن المبيت بمزدلفة فليبيت عزمه على طاعة الله وقد قربه وأزلفه، ومن لم يمكنه القيام بأرجاء الخيف فليقم لله بحق الرجاء والخوف، ومن لم يقدر على نحر هديه بمنى فليذبح هواه هنا وقد بلغ المنى، ومن لم يصل إلى البيت لأنه منه بعيد فليقصد رب البيت فإنه أقرب إلى من دعاه من حبل الوريد.

حان وقت ذَهاب وفد الرحمن، فإن لم نصل إلى ديارهم فلنصل انكسارنا بانكسارهم، وإن لم نقدر على عرفات فلنستدرج ما قد فات، وإن لم نصل إلى الحجر فليلن كل قلب حجر، وإن لم نقدر على ليلة جمع ومنى فلنقم بمأتم الأسف هاهنا.

يوم عرفات: أين المنيب المُجد السابق؟ هذا يوم يُرحم فيه الصادق. من لم ينُب في هذا اليوم فمتى ينيب؟! ومن لم يُجب في هذا الوقت ولم يعرف طريق التوبة فهو غريب. أسفاً لعبد لم يُغفر له في عرفة ما جنى، كلما همّ بخير نقض الطود وما بنى، حضر موسم الأفراح فما حصّل خيراً ولا اقتنى، ودخل بساتين الفلاح فما مد كفاً وما جنى، ليت شعري من منا خاب ومن منا نال المُنى. فيا إخوتي إن فاتنا نزول منى، فلنُنزل دموع الحسرة هاهنا، وكيف لا نبكي ولا ندرى ماذا يراد بنا؟! وكيف بالسكون وما نعلم ما عنده لنا؟!

فـيا مـن صـدَّ عن الخير، وانقطع به السير! أَمَا هزَّك الحادي؟ أَمَا أسمعك الداعي؟ يا مسكين! اشتاقت العجماوات وما اشتقْتَ، فأسرعتِ السير وأبطأتَ. اعلم أنَّ الطريق الموصلة إلى الحق سبحانه ليست مما يقطع بالأقدام، وإنما يقطع بالقلوب. والمراد من الحج القرب بالقلوب لا بالأبدان، وإنما يكون ذلك مع القيام بتقوى الرحيم الرحمن.

أخي الحاج: خذ هذه البشرى وكفى، أخرج ابن حبان والطبراني والبزار واللفظ له عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنت جالسا مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد منى فأتاه رجل من الأنصار ورجل من ثقيف فسلما ثم قالا: يا رسول الله جئنا نسألك. فقال: "إن شئتما أخبرتكما بما جئتما تسألاني عنه فعلت، وإن شئتما أن أمسك وتسألاني فعلت" فقالا: أخبرنا يا رسول الله. فقال الثقفي للأنصاري سل! فقال: أخبرني يا رسول الله! فقال: "جئتني تسألني عن مخرجك من بيتك تؤم البيت الحرام وما لك فيه؟ وعن ركعتيك بعد الطواف وما لك فيهما؟ وعن طوافك بين الصفا والمروة وما لك فيه؟ وعن وقوفك عشية عرفة وما لك فيه؟ وعن رميك الجمار وما لك فيه؟ وعن نحرك وما لك فيه مع الإفاضة؟" فقال والذي بعثك بالحق لعن هذا جئت أسألك.

قال: "فإنك إذا خرجت من بيتك تؤم البيت الحرام لا تضع ناقتك خفا ولا ترفعه إلا كتب الله لك به حسنة، ومحا عنك خطيئة. وأما ركعتاك بعد الطواف كعتق رقبة من بني إسماعيل عليه السلام، وأما طوافك بالصفا والمروة كعتق سبعين رقبة، وأما وقوفك عشية عرفة فإن الله يهبط إلى سماء الدنيا فيباهي بكم الملائكة يقول: عبادي جاؤوني شعثا من كل فج عميق، يرجون جنتي، فلو كانت ذنوبكم كعدد الرمل أو كقطر المطر أو كزبد البحر لغفرتها، أفيضوا عبادي مغفورا لكم ولمن شفعتم له، وأما رميك الجمار فلك بكل حصاة رميتها تكفير كبيرة من الموبقات، وأما نحرك فمذخور لك عند ربك، وأما حلاقك رأسك فلك بكل شعرة حلقتها حسنة ويمحى عنك بها خطيئة، وأما طوافك بالبيت بعد ذلك فإنك تطوف ولا ذنب لك، يأتي ملك حتى يضع يديه بين كتفيك فيقول: اعمل فيما تستقبل فقد غفر لك ما مضى".

فيا حسرة من تخلف عن ذلك الموسم العظيم، ويا خسارة من حجب عن بيت الرحمن الرحيم، ويا أسف من حرم الوقوف بعرفة، ألا فلنبكي على ما فقدنا، ألا فنتب عن ذنوبنا التي حجبتنا! والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا به. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.

والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين. وسبحان الله وبحمده، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

Last Updated ( Monday, 14 February 2011 21:49 )